أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
546
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
دينه » قلت : قول ابن عطية في ذلك يشبه قول أبي البقاء في كونه قدّره ضميرا عائدا على اسم « عسى » يصحّ به الربط . وبعض الناس يكثر هذه الأوجه ويوصلها إلى سبعة وأكثر ، وذلك باعتبار تصحيح كلّ وجه من الأوجه الثلاثة التي ذكرتها لك ، ولكن لا يخرج حاصلها عن ثلاثة ، وهو النصب : إمّا عطفا على « أَنْ يَأْتِيَ » ، وإما على « فَيُصْبِحُوا » ، وإمّا على « بالفتح » ، وقد تقدّم لك تحقيقها . قوله : جَهْدَ أَيْمانِهِمْ في انتصابه وجهان : أظهرهما : أنه مصدر مؤكّد ناصبه « أَقْسَمُوا » فهو من معناه ، والمعنى : أقسموا إقسام اجتهاد في اليمين . والثاني : - أجازه أبو البقاء وغيره - أنه منصوب على الحال كقولهم : « افعل ذلك جهدك » أي : مجتهدا ، ولا يبالي بتعريفه لفظا فإنه مؤول بنكرة على ما ذكرته لك ، وللنحويين في هذه المسألة أبحاث ، والمعنى هنا : أقسموا باللّه مجتهدين في أيمانهم . قوله : إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ هذه الجملة لا محلّ لها من الإعراب فإنها تفسير وحكاية لمعنى القسم لا لألفاظهم ، إذ لو كانت حكاية لألفاظهم لقيل : إنّا معكم ، وفيه نظر ، إذ يجوز لك أن تقول : « حلف زيد لأفعلنّ » أو « ليفعلن » ، فكما جاز أن تقول : « ليفعلنّ » جاز أن يقال : « إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ » على الحكاية . قوله : حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فيها أوجه : أحدها : أنها جملة مستأنفة والمقصود بها الإخبار من الباري تعالى بذلك . الثاني : أنها دعاء عليهم بذلك وهو قول اللّه تعالى نحو : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ « 1 » . الثالث : أنها في محلّ نصب لأنها من جملة قول المؤمنين ، ويحتمل معنيين كالمعنيين في الاستئناف ، أعني كونه إخبارا أو دعاء . الرابع : أنها في محل رفع على أنّها خبر المبتدأ وهو « هؤُلاءِ » ، وعلى هذا فيحتمل قوله « الَّذِينَ أَقْسَمُوا » وجهين ، أحدهما : أنه صفة لاسم الإشارة ، والخبر : حبطت أعمالهم » . والثاني : أنّ « الَّذِينَ » خبر أول ، و « حَبِطَتْ » خبر ثان عند من يجيز ذلك . وجعل الزمخشري « حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ » مفهمة للتعجب . قال : « وفيه معنى التعجب كأنه قيل : ما أحبط أعمالهم ما أخسرهم » ، وأجاز مع كونه تعجبا أن يكون من قول المؤمنين ، فيكون في محل نصب ، وأن يكون من قول الباري تعالى ، لكنه أوّل التعجب في حق اللّه تعالى بأنه تعجيب ، قال : « أو من قول اللّه عز وجل شهادة لهم بحبوط الأعمال وتعجيبا من سوء حالهم » . وقرأ أبو واقد والجراح : « حبطت » بفتح الباء ، وهما لغتان ، وقد تقدم ذلك « 2 » . وقوله تعالى : « فَأَصْبَحُوا » وجه التسبّب في هذه الفاء ظاهر . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 54 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 54 )
--> ( 1 ) سورة عبس ، الآية ( 17 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 217 ) .