أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
547
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
تعالى : مَنْ يَرْتَدَّ : « مَنْ » شرطية فقط لظهور أثرها ، وقوله تعالى : « فَسَوْفَ » جوابها ، وهي مبتدأة ، وفي خبرها الخلاف المشهور ، وبظاهره يتمسّك من لا يشترط عود ضمير على اسم الشرط من جملة الجواب ، ومن التزم ذلك قدّر ضميرا محذوفا تقديره : « فسوق يأتي اللّه بقوم غيرهم » ، ف « هم » في « غيرهم » يعود على « من » على معناها . وقرأ ابن عامر ونافع : « يرتدد » بدالين . قال الزمخشري : « وهي في الإمام - يعني رسم المصحف - كذلك » ولم يبيّن ذلك ، ونقل غيره أنّ كلّ قارىء وافق مصحفه ، فإنها في مصاحف الشام والمدينة ، « يرتدد » بدالين ، وفي الباقية : « يَرْتَدَّ » ، وقد تقدّم أنّ الإدغام لغة تميم ، والإظهار لغة الحجاز ، وأنّ وجه الإظهار سكون الثاني جزما أو وقفا ، ولا يدغم إلا في متحرك وأن وجه الادغام تحريك هذا الساكن في بعض الأحوال نحو : « ردّا ، ردّوا ، ردّي ، ولم يردّا ، ولم يردّوا ، واردد القوم ، ثم حمل « لم يردّ » و « ردّ » على ذلك ، فكأن التميميين هذه الحركة العارضة ، والحجازيين لم يعتبروها ، و « مِنْكُمْ » في محل نصب على الحال من فاعل « يَرْتَدَّ » ، و « عَنْ دِينِهِ » متعلّق ب « يَرْتَدَّ » . قوله تعالى : يُحِبُّهُمْ في محلّ جر لأنها صفة ل « قوم » ، و « يُحِبُّونَهُ » فيه وجهان : أظهرهما : أنه معطوف على ما قبله ، فيكون في محلّ جرّ أيضا فوصفهم بصفتين : وصفهم بكونه تعالى يحبّهم وبكونهم يحبونه . والثاني : أجازه أبو البقاء : أن يكون في محل نصب على الحال من الضمير المنصوب في « يُحِبُّهُمْ » قال : « تقديره » وهم يحبونه » . قلت : وإنما قدّر أبو البقاء لفظة « هم » ليخرج بذلك من إشكال : وهو أن المضارع المثبت متى وقع حالا وجب تجرّده من الواو نحو : « قمت أضحك » ولا يجوز : « وأضحك » ، وإن ورد شيء أوّل بما ذكره أبو البقاء كقولهم : « قمت وأصك عينه » وقوله : 1753 - . . . * نجوت وأرهنهم مالكا « 1 » أي : وأنا أصك ، وأنا أرهنهم ، فتؤوّل الجملة إلى جملة اسمية فيصحّ اقترانها بالواو ، ولكن لا ضرورة في الآية الكريمة تدعو إلى ذلك حتى يرتكب ، فهو قول مرجوح . وقدّمت محبة اللّه تعالى على محبتهم لشرفها وسبقها ، إذ محبته تعالى لهم عبارة عن إلهامهم فعل الطاعة وإثابته إياهم عليها . قوله : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ هاتان صفتان أيضا لقوم ، واستدلّ بعضهم على جواز تقديم الصفة غير الصريحة على الصفة الصريحة بهذه الآية ، فإنّ قوله : « يُحِبُّهُمْ » صفة وهي غير صريحة ، لأنها جملة مؤولة بمفرد ، وقوله « أَذِلَّةٍ - أَعِزَّةٍ » صفتان صريحتان لأنهما مفردتان ، وأمّا غيره من النحويين فيقول : متى اجتمعت صفة صريحة وأخرى مؤولة وجب تقديم الصريحة إلا في ضرورة شعر كقول امرئ القيس : 1754 - وفرع يغشّي المتن أسود فاحم * أثيث كقنو النّخلة المتعثكل « 2 »
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) البيت من ديوانه ( 44 ) ، شرح القصائد العشر ( 92 ) ، -