أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
541
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
« حكم » مفعول مقدم ، و « يَبْغُونَ » فعل وفاعل ، وهو المستفهم عنه في المعنى ، والفاء فيها القولان المشهوران : هل هي مؤخرة عن الهمزة وأصلها التقديم ، أو قبلها جملة عطفت ما بعدها عليها تقديره : أيعدلون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية ؟ وقرأ ابن وثاب والأعرج وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن برفع الميم ، وفيها وجهان ، أظهرهما : - وهو المشهور عند المعربين - أنه مبتدأ ، و « يَبْغُونَ » خبره ، وعائد المبتدأ محذوف تقديره : « يبغونه » حملا للخبر على الصلة . إلا أن بعضهم جعل هذه القراءة خطأ ، حتى قال أبو بكر بن مجاهد : « هذه القراءة خطأ » ، وغيره يجعلها ضعيفة ، ولا تبلغ درجة الخطأ ، قال ابن جني في قول ابن مجاهد : « ليس كذلك ، ولكنه وجه غيره أقوى منه ، وقد جاء في الشعر ، قال أبو النجم : 1747 - قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي * عليّ ذنبا كلّه لم أصنع « 1 » أي : لم أصنعه » . قال ابن عطية : « هكذا الرواية وبها يتم المعنى الصحيح ، لأنه أراد التبرّؤ من جميع الذنوب ، ولو نصب « كل » لكان ظاهر قوله أنه صنع بعضه » قلت : هذا الذي ذكره أبو محمد معنى صحيح نصّ عليه أهل علم المعاني والبيان ، واستشهدوا على ذلك بقوله عليه السّلام حين سأله ذو اليدين فقال : « أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ فقال « كلّ ذلك لم يكن » « 2 » أراد عليه السّلام انتفاء كلّ فرد فرد ، وأفاد هذا المعنى تقديم « كل » ، قالوا : ولو قال : « لم يكن كل ذلك » لاحتمل الكلام أن البعض غير منفيّ ، وهذه المسألة تسمّى عموم السلب ، وعكسها نحو : « لم أصنع كلّ ذلك » يسمّى سلب العموم ، وهذه مسألة مفيدة فأتقنتها ، وإن كان بعض الناس قد فهم عن سيبويه غير ما ذكرت لك . ثم قال ابن عطية : « وهو قبيح - يعني حذف العائد من الخبر - وإنما يحذف الضمير كثيرا من الصلة ، ويحذف أقلّ من ذلك من الصفة ، وحذفه من الخبر قبيح » ولكنه رجّح البيت على هذه القراءة بوجهين : أحدهما : أنه ليس في صدر قوله ألف استفهام تطلب الفعل كما في « أَ فَحُكْمَ » . والثاني : أن في البيت عوضا من الهاء المحذوفة وهو حرف الاطلاق ، أعني الياء في « اصنعي » ، فتضعف قراءة من قرأ « أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ » . وهذا الذي ذكره ابن عطية في الوجه الثاني كلام لا يعبأ به ، وأمّا الأول فهو قريب من الصواب ، لكنه لم ينهض في المنع ولا في التقبيح ، وإنما ينهض دليلا على الأحسنيّة أو على أن غيره أولى منه ، وهذه المسألة ذكر بعضهم الخلاف فيها بالنسبة إلى نوع ، ونفى الخلاف فيها - بل حكى الإجماع على الجواز - بالنسبة إلى نوع آخر ، فحكى الإجماع فيما إذا كان المبتدأ لفظ « كل » أو ما أشبهها في العموم والافتقار ، فأمّا « كل » فنحو : « كلّ رجل ضربت » ويقويه قراءة ابن عامر : « وكلّ وعد اللّه الحسنى » « 3 » ، ويريد بما أشبه « كلا » نحو : « رجل يقول الحقّ انصر » أي : انصره ، فإنه عامّ ويفتقر إلى صفة ، كما أن « كلا » عامة وتفتقر إلى مضاف إليه ، قال : « وإذا لم يكن المبتدأ كذلك فالكوفيون يمنعون حذف العائد ، بل ينصبون المتقدم مفعولا به ، والبصريون
--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 44 ) ، الهمع ( 1 / 97 ) ، الدرر ( 1 / 73 ) ، المحتسب ( 1 / 211 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 10 / 468 ) ، كتاب الأدب ( 6051 ) ، ومسلم ( 1 / 403 ) ، كتاب المساجد ( 97 / 573 ) . ( 3 ) سورة الحديد ، الآية ( 10 ) .