أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
542
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يجيزون : « زيد ضربت » أي ضربته ، وذكر القراءة . وتعالى بعضهم فقال : « لا يجوز ذلك » وأطلق ، إلا في ضرورة شعر كقوله : 1748 - وخالد يحمد ساداتنا * بالحقّ ، لا يحمد بالباطل « 1 » قال : « لأنه يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه » ، وقد أتقنت هذه المسألة وما نقل فيها في كتابي « شرح التسهيل » فعليك بالالتفات إليه . والوجه الثاني من التوجيهين المتقدمين أن يكون « يَبْغُونَ » ليس خبرا للمبتدأ ، بل هو صفة لموصوف محذوف وذلك المحذوف هو الخبر ، والتقدير : « أفحكم الجاهلية حكم يبغون » ، وحذف العائد هنا أكثر لأنه كما تقدّم يكثر حذفه من الصلة ، ودونه من الصفة ، ودونه من الخبر ، وهذا ما اختاره ابن عطية وهو تخريج ممكن ، ونظّره بقوله تعالى : مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ « 2 » أي : قوم يحرّفون » يعني في حذف موصوف وإقامة صفته مقامه ، وإلا فالمحذوف في الآية المنظّر بها مبتدأ ، ونظّرها أيضا بقوله : 1749 - وما الدّهر إلا تارتان : فمنهما * أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح « 3 » أي : تارة أموت فيها . وقال الزمخشري : « وإسقاط الراجع عنه كإسقاطه في الصلة ، كقوله : أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا « 4 » عن الصفة : « في الناس رجلان : [ رجل ] أهنت ، ورجل أكرمت » أي : رجل أهنته ورجل أكرمته ، وعن الحال في نحو : « مررت بهند يضرب زيد » . قال الشيخ « 5 » : « إن عنى التشبيه في الحذف والحسن فليس كذلك لما تقدّم ذكره ، وإن عنى في مطلق الحذف فمسلّم » . وقرأ الأعمش وقتادة : « أفحكم » بفتح الحاء والكاف ونصب الميم ، وهو مفرد يراد به الجنس لأن المعنى : أحكّام الجاهلية ، ولا بد من حذف مضاف في هذه القراءة هو المصرّح به في المتواترة تقديره : أفحكم حكّام الجاهلية . والقرّاء غير ابن عامر على « يَبْغُونَ » بياء الغيبة نسقا على ما تقدّم من الأسماء الغائية . وقرأ هو بتاء الخطاب على الالتفات ليكون أبلغ في زجرهم وردعهم ومباكتته لهم ، حيث واجههم بهذا الاستفهام الذي يأنف منه ذوو البصائر . و « حُكْماً » نصبا على التمييز . وقوله : « لِقَوْمٍ » في هذه اللام ثلاثة أوجه : أحدها : أن يتعلّق بنفس « حُكْماً » إذ المعنى أنّ حكم اللّه للمؤمن على الكافر . والثاني : أنها للبيان فتتعلّق بمحذوف كهي في « سقيا لك » و « هيت لك » « 6 » وهو رأي الزمخشري ، وابن عطية قال شيئا قريبا منه ، وهو أن المعنى : « يبيّن ذلك ويظهره لقوم » . الثالث : أنها بمعنى « عند » أي : عند قوم وهذا ليس بشيء . ومتعلّق « يُوقِنُونَ » يجوز أن يراد ، وتقديره : يوقنون باللّه وبحكمه ، أو بالقرآن ، ويجوز ألّا يراد على معنى وقوع الإيقان ، وإليه ميل الزجاج ، فإنه قال : « يُوقِنُونَ :
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة النساء ، الآية ( 46 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) سورة الفرقان ، الآية ( 41 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 505 ) . ( 6 ) سورة يوسف ، الآية ( 23 ) .