أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

533

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وذلك لأنه لو قدّرتها التفسيرية وجعلتها معطوفة على ما قبلها فسد من حيث إنّ « كَتَبْنا » يقتضي أن يكون عاملا لأجل « أنّ » المشددة غير عامل لأجل « أن » التفسيرية ، فإذا انتفى تسلّطه عليها انتفى تشريكها مع ما قبلها ، لأنه إذا لم يكن عمل فلا تشريك ، فإذا جعلتها المخففة تسلّط عمله عليها فاقتضى العمل التشريك في انصباب معنى الكتب عليهما . وقرأ أبيّ : « فهو كفارته له » أي : التصدّق كفارة ، يعني الكفارة التي يستحقها له لا ينقص منها ، وهو تعظيم لما فعل كقوله : فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ « 1 » . قوله : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ أي : بالقصاص المتعلّق بالنفس أو بالعين أو بما بعدها ، فهو أي : فذلك التصدق ، عاد الضمير على المصدر لدلالة فعله عليه ، وهو كقوله تعالى : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ « 2 » . والضمير في « له » فيه ثلاثة أوجه : أحدها - وهو الظاهر - : أنه يعود على المتصدّق ، والمراد به من يستحقّ القصاص من مصاب أو وليّ ، أي : فالتصدق كفارة لذلك المتصدّق بحقه ، وإلى هذا ذهب جماعة كثيرة من الصحابة فمن بعدهم . والثاني : أنّ الضمير يراد به الجاني ، والمراد بالمتصدّق كما تقدم مستحق القصاص ، والمعنى : أنه إذا تصدّق المستحقّ على الجاني كان ذلك التصدّق كفارة للجاني حيث لم يؤاخذ به . قال الزمخشري : « وقيل : فهو كفارة له أي : للجاني إذا تجاوز عنه صاحب الحق سقط عنه ما لزمه » ، وإلى هذا ذهب ابن عباس في آخرين . والثالث : أن الضمير يعود على المتصدّق أيضا ، لكن المراد به الجاني نفسه ، ومعنى كونه متصدّقا أنه إذا جنى جناية ولم يعرف به أحد فعرّف هو بنفسه كان ذلك الاعتراف بمنزلة التصدّق الماحي لذنبه وجنايته ، قاله مجاهد ، ويحكى عن عروة بن الزبير « 3 » أنه أصاب إنسانا في طوافه فلم يعرف الرجل من أصابه ، فقال له عروة : « أنا أصبتك وأنا عروة بن الزبير ، فإن كان يعنيك شيء فها أنا ذا » ، وعلى هذا التأويل يحتمل أن يكون « تصدّق » من الصدقة وأن يكون من الصدق . قلت : الأول واضح ، والثاني معناه أنه يتكلّف الصدق ، لأن ذلك مما يشقّ . وقوله : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ يجوز في « مَنْ » أن تكون شرطية ، وهو الظاهر ، وأن تكون موصولة ، والفاء في الخبر زائدة لشبهه بالشرط . و « هُمُ » في قوله : « هُمُ الْكافِرُونَ » ونظائره فصل أو مبتدأ ، وكلّه ظاهر ممّا تقدّم في نظائره . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 46 إلى 47 ] وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 46 ) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 47 ) قوله تعالى : وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى : قد تقدّم معنى « قَفَّيْنا » وأنه من قفا يقفو أي : تبع قفاه في البقرة « 4 » . وقوله : عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى » كلا الجارّين متعلق به على تضمينه معنى « جئنا به على آثارهم قافيا لهم »

--> ( 1 ) سورة الشورى ، الآية ( 40 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية ( 8 ) . ( 3 ) عروة بن الزبير القرشي أبو عبد اللّه أحد الفقهاء السبعة - - بالمدينة كان عالما بالدين ، صالحا كريما ، لم يدخل في شيء من الفتن توفي سنة ( 93 ) ه . انظر الأعلام ( 4 / 226 ) . ( 4 ) انظر تفسير الآية ( 87 ) .