أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

531

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

حكم المكسورة ، وهذا موضع لم ينبّه عليه النحويون » . قلت : بلى قد نبّه النحويون على ذلك واختلفوا فيه ، فجوّزه بعضهم وهو الصحيح ، وأكثر ما يكون ذلك بعد « علم » أو ما في معناه كقوله : 1739 - وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق « 1 » قوله : وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ « 2 » الآية ؛ لأنّ الأذان بمعنى الإعلام . الوجه الثالث : أنّ « الْعَيْنَ » عطف على الضمير المرفوع المستتر في الجارّ الواقع خبرا ، إذ التقدير : أنّ النفس بالنفس هي والعين ، وكذا ما بعدها ، والجارّ والمجرور بعدها في محل نصب على الحال مبينة للمعنى ، إذ المرفوع هنا مرفوع بالفاعلية لعطفه على الفاعل المستتر ، وضعّف هذا بأنّ هذه أحوال لازمة ، والأصل أن تكون منتقلة ، وبأنه يلزم العطف على الضمير المرفوع المتصل من غير فصل بين المتعاطفين ولا تأكيد ولا فصل ب « لا » بعد حرف العطف كقوله : ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا « 3 » . وهذا لا يجوز عند البصريين إلا ضرورة ، قال أبو البقاء : « وجاز العطف من غير توكيد كقوله : « ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا » قلت : قام الفصل ب « لا » بين حرف العطف والمعطوف مقام التوكيد فليس نظيره . وللفارسي [ بحث في قوله : ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا مع سيبويه ، فإنّ سيبويه « 4 » يجعل طول الكلام ب « لا » عوضا عن التوكيد بالمنفصل ، كما طال ] الكلام في قولهم : « حضر القاضي اليوم امرأة » قال الفارسي : « هذا يستقيم إذا كان قبل حرف العطف ، أما إذا وقع بعده فلا يسدّ مسدّ الضمير ، ألا ترى أنك لو قلت : « حضر امرأة القاضي اليوم » لم يغن طول الكلام في غير الموضع الذي ينبغي أن يقع فيه » . قال ابن عطية : « وكلام سيبويه متجه على النظر النحوي وإن كان الطول قبل حرف العطف أتمّ ، فإنه بعد حرف العطف مؤثّر لا سيما في هذه الآية لأن « لا » ربطت المعنى ، إذ قد تقدّمها نفي ونفت هي أيضا عن الآباء فيمكن العطف » . واختار أبو عبيد قراءة رفع الجميع ، وهي رواية الكسائي ، لأن أنسا رواها قراءة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وروى أنس عنه عليه السّلام أيضا « أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » بتخفيف « أن » ورفع النفس وفيها تأويلان : أحدهما : أن تكون « أن » مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الأمر والشأن محذوف ، و « النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » مبتدأ وخبر ، في محلّ رفع خبرا ال « أن » المخففة ، كقوله : أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ « 5 » ، فيكون المعنى كمعنى المشددة . والثاني : أنها « أن » المفسرة لأنها بعدها هو بمعنى القوله لا حروفه وهو « كَتَبْنا » ، والتقدير : أي النفس بالنفس ، ورجّح هذا على الأول بأنه يلزم من الأول وقوع المخففة بعد غير العلم وهو قليل أو ممنوع ، وقد يقال : إن « كَتَبْنا » لمّا كان بمعنى « قضينا » قرب من أفعال اليقين . وأمّا قراءة نافع ومن معه فالنصب على اسم « أنّ » لفظا وهي النفس والجارّ بعده خبره ، و « قِصاصٌ » خبر « الْجُرُوحَ » أي : وأنّ الجروح قصاص ، وهذا من عطف الجمل ، عطفنا الاسم على الاسم والخبر على الخبر ،

--> ( 1 ) البيت لبشر بن أبي خازم انظر ديوانه ( 165 ) ، الكتاب ( 1 / 290 ) ، الإنصاف ( 190 ) ، ابن يعيش ( 8 / 69 ) . ( 2 ) سورة التوبة ، الآية ( 3 ) . ( 3 ) سورة الأنعام ، الآية ( 148 ) . ( 4 ) انظر الكتاب ( 1 / 390 ) . ( 5 ) سورة يونس ، الآية ( 10 ) .