أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
530
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
النفس » إلا أنه قال قبل ذلك : « وينبغي أن يحمل قول الزمخشري على تفسير المعنى لا تفسير الاعراب » ثم قال : « فقدّر - يعني الزمخشري - ما يقرب من الكون المطلق وهو : « مأخوذ » ، فإذا قلت : « بعت الشياه شاة بدرهم فالمعنى : مأخوذة بدرهم ، وكذلك الحر بالحر أي : مأخوذ » . الوجه الثاني من توجيه الفارسي : أن تكون الواو عاطفة جملة اسمية على الجملة من قوله : « أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » ، لكن من حيث المعنى لا من حيث اللفظ ، فإنّ معنى « كتبنا عليهم أنّ النفس بالنفس » قلنا لهم النفس بالنفس ، فالجمل مندرجة تحت الكتب من حيث المعنى لا من حيث اللفظ . وقال ابن عطية : « ويحتمل أن تكون الواو عاطفة على المعنى ، وذكر ما تقدم ، ثم قال : « ومثله لمّا كان المعنى في قوله : يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ « 1 » يمنحون عطف « وحورا عينا » عليه ، فنظّر هذه الآية بتلك لاشتراكهما في النظر إلى المعنى دون اللفظ وهو حسن . قال الشيخ « 2 » : « وهذا من العطف على التوهّم ، إذ توهّم في قوله « أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » : النفس بالنفس وضعّفه بأن العطف على التوهّم لا ينقاس . والزمخشري نحا إلى هذا المعنى ، ولكنه عبّر بعبارة أخرى فقال : « الرفع [ للعطف ] على محلّ « أَنَّ النَّفْسَ » لأن المعنى : « وكتبنا عليهم النفس بالنفس : إمّا لإجراء « كَتَبْنا » « مجرى » قلنا ، وإمّا أن معنى الجملة التي هي « النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » ممّا يقع عليه الكتب كما تقع عليه القراءة تقول : كتبت : الحمد للّه ، وقرأت : سورة أنزلناها ، ولذلك قال الزجاج : « لو قرىء إنّ النفس بالنفس بالكسر لكان صحيحا » . قال الشيخ « 3 » : « هذا هو [ الوجه ] الثاني من توجيه أبي عليّ ، إلا أنه خرج عن المصطلح حيث جعله من العطف على المحلّ وليس منه ، لأنّ العطف على المحل هو العطف على الموضع ، وهو محصور ليس هذا منه ، ألا ترى أنّا لا نقول : « أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » في محلّ رفع لأنّ طالبه مفقود ، بل « أَنَّ » وما في حيّزها بتأويل مصدر لفظه وموضعه نصب ، إذ التقدير : كتبنا عليهم أخذ النفس » . قلت : والزمخشري لم يعن أنّ « أنّ » وما في حيّزها في محل رفع فعطف عليها المرفوع حتى يلزمه الشيخ بأنّ لفظها ومحلّها نصب ، إنما عنى أنّ اسمها محلّه الرفع قبل دخولها ، فراعى العطف عليه كما راعاه في اسم « إنّ » المكسورة . وهذا الردّ ليس للشيخ ، بل سبقه إليه أبو البقاء فأخذه منه . قال أبو البقاء : « ولا يجوز أن يكون معطوفا على « أَنَّ » وما عملت فيه ؛ لأنها وما عملت فيه في موضع نصب » انتهى . وليس بشيء لما تقدم . قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة : « فمعنى الحديث : قلنا لهم : النفس بالنفس ، فحمل « الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ » هذا ، لأنّ « أَنَّ » لو حذفت لاستقام المعنى بحذفها كما استقام بثبوتها ، وتكون « النَّفْسَ » مرفوعة فصارت « أَنَّ » هنا ك « إنّ » المكسورة في أنّ حذفها لا يخلّ بالجملة ، فجاز العطف على محل اسمها كما يجوز على محلّ اسم المكسورة ، وقد حمل على ذلك : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ » « 4 » . قال الشيخ أبو عمرو - يعني ابن الحاجب - ورسوله بالرفع معطوف على اسم « أنّ » وإن كانت مفتوحة لأنها في
--> ( 1 ) سورة الواقعة 147 ، الآية ( 17 - 22 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط 3 / 494 . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 495 ) . ( 4 ) سورة التوبة ، الآية ( 3 ) .