أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
516
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أظهرهما : أنه منصوب على المفعول به بعامل مضمر يليق بالمحلّ أي : أو أتى - أو عمل - فسادا . والثاني : أنه مصدر ، والتقدير : أو أفسد فسادا بمعنى إفسادا ، فهو اسم مصدر كقوله : 1729 - . . . * وبعد عطائك المئة الرّتاعا « 1 » ذكره أبو البقاء . و فِي الْأَرْضِ متعلق بنفس « فَسادٍ » لأنك تقول : « أفسد في الأرض » ، إلا في قراءة الحسن بنصبه ، وخرّجناه على النصب على المصدرية - كما ذكره أبو البقاء ؛ فإنه لا يتعلّق به ، لأنه مصدر مؤكد فقد نصّوا على أن المؤكّد لا يعمل ، فيكون « فِي الْأَرْضِ » متعلقا بمحذوف على أنه صفة ل « فسادا » . والفاء في : « فَكَأَنَّما » في الموضعين جواب الشرط واجبة الدخول ، و « ما » كافة لحرف التشبيه ، والأحسن أن تسمّى هنا مهيئة لوقوع الفعل بعدها . و « جَمِيعاً » : إمّا حال أو توكيد . قوله : بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ هذا الظرف والجارّ بعده يتعلقان بقوله : لَمُسْرِفُونَ الذي هو خبر « إنّ » ، ولا تمنع من ذلك لام الابتداء فاصلة بين العامل ومعموله المتقدّم عليه ، لأنّ دخولها على الخبر على خلاف الأصل ، إذ الأصل دخولها على المبتدأ ، وإنما منع منه دخول « إنّ » . و « ذلِكَ » إشارة إلى مجيء الرسل بالبينات . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 33 إلى 36 ] إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 33 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 34 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 35 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 36 ) قوله تعالى : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ : مبتدأ ، وخبره : « أَنْ يُقَتَّلُوا » وما عطف عليه ، أي : إنما جزاؤهم التقتيل أو التصليب أو النفي . وقوله : يُحارِبُونَ اللَّهَ أي : يحاربون أولياءه ، كذا قدّره الجمهور . وقال الزمخشري : « يحاربون رسول اللّه » ومحاربة المسلمين في حكم محاربته » يعني أنّ المقصود أن يخبر بأنهم يحاربون رسول اللّه ، وإنما ذكر اسم اللّه تبارك وتعالى تعظيما وتفخيما لمن يحارب ، كقوله : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ « 2 » ، وقد تقدّم تحقيق ذلك وتقديره عند قوله : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا « 3 » . وقيل : معنى المحاربة المخالفة لأحكامهما ، وعلى هذه الأوجه لا يلزم في قوله تعالى : « يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ » الجمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة ، ومن يجز ذلك لم يحتج إلى تأويل من هذه التأويلات ، بل يقول : تحمل محاربتهم للّه تعالى على معنى يليق بها وهي المخالفة مجازا ، ومحاربتهم لرسوله على المقاتلة حقيقة .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة الفتح ، الآية ( 10 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 9 ) .