أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
517
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : فَساداً في نصبه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مفعول من أجله أي : يحاربون ويسعون لأجل الفساد ، وشروط النصب موجودة . الثاني : أنه مصدر واقع موقع الحال ، أي : ويسعون في الأرض مفسدين ، أو ذوي فساد ، أو جعلوا نفس الفساد مبالغة ، ثلاثة مذاهب مشهورة تقدّم تحريرها . الثالث : أنه منصوب على المصدر أي : إنه نوع من العامل قبله ، فإن معنى « يَسْعَوْنَ » هنا يفسدون ، وفي الحقيقة ففساد اسم مصدر قائم مقام الإفساد ، والتقدير : ويفسدون في الأرض بسعيهم إفسادا . و فِي الْأَرْضِ الظاهر أنه متعلق بالفعل قبله ، كقوله : سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ « 1 » ، وقد أجيز أن يكون في محل نصب على الحال ؛ لأنه يجوز أن لو تأخّر عنه أن يكون صفة له ، وأجيز أيضا أن يتعلق بنفس « فَساداً » وهذا إنما يتمشّى إذا جعلنا « فَساداً » حالا ، أما إذا جعلناه مصدرا امتنع ذلك لتقدّمه عليه ، ولأنّ المؤكّد لا يعمل . وقرأ الجمهور : « أَنْ يُقَتَّلُوا » وما بعده من الفعلين بالتثقيل ، ومعناه التكثير بالنسبة إلى من تقع به هذه الأفعال . وقرأ الحسن وابن محيصن بتخفيفها . قوله : مِنْ خِلافٍ في محلّ نصب على الحال من « أَيْدِيهِمْ » و « أَرْجُلُهُمْ » أي بقطع مختلف ، بمعنى أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى . والنفي : الطرد ، والأرض : المراد بها هنا ما يريدون الإقامة بها ، أو يراد من أرضهم ، وأل عوض من المضاف إليه عند من يراه . قوله : « ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا » : « ذلِكَ » إشارة إلى الخبر المتقدم أيضا ، وهو مبتدأ . وقوله : « لَهُمْ خِزْيٌ » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون « لَهُمْ » خبرا مقدما ، و « خِزْيٌ » مبتدأ مؤخرا و « فِي الدُّنْيا » صفة له ، فيتعلّق بمحذوف ، أو يتعلق بنفس « خِزْيٌ » على أنه ظرفه ، والجملة في محل رفع خبرا ل « ذلِكَ » . : أن يكون « خِزْيٌ » خبرا ل « ذلِكَ » ، و « لَهُمْ » متعلق بمحذوف على أنه حال من « خِزْيٌ » ؛ لأنه في صفة له ، فلمّا قدّم انتصب حالا . وأما « فِي الدُّنْيا » فيجوز فيه الوجهان المتقدمان من كونه صفة ل « خِزْيٌ » أو متعلقا به ، ويجوز فيه أن يكون متعلقا بالاستقرار الذي تعلّق به « لَهُمْ » . الثالث : أن يكون « لَهُمْ » خبرا ل « ذلِكَ » ، و « خِزْيٌ » فاعل ، ورفع الجارّ هنا الفاعل لمّا اعتمد على المبتدأ ، و « فِي الدُّنْيا » على هذا فيه الأوجه الثلاثة . قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا : فيه وجهان : أحدهما : أنه منصوب على الاستثناء من المحاربين ، وللعلماء خلاف في التائب من قطاع الطريق : هل تسقط عنه العقوبات كلها أو عقوبة قطع الطريق فقط ، وأما ما يتعلق بالأموال وقتل الأنفس فلا تسقط ، بل حكمه إلى صاحب المال وولي الدم ؟ والظاهر الأول .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 205 ) .