أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

514

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وبهذا الوجه قرأ أبو جعفر . قوله : يا وَيْلَتى قلب ياء المتكلم ألفا وهي لغة فاشية في المنادى المضاف إليها ، وهي إحدى اللغات الست ، وقد تقدّم ذكرها ، وقرىء « 1 » كذلك على الأصل ، وهي قراءة الحسن البصري . والنداء وإن كان أصله لمن يتأتّى منه الإقبال وهم العقلاء ، إلا أن العرب تتجوّز فتنادي ما لا يعقل ، والمعنى : يا ويلتي احضري فهذا أوان حضورك ، ومثله : يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ « 2 » ، و يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ « 3 » . وأمال حمزة والكسائي وأبو عمرو في رواية الدوري ألف « حسرتا » . والجمهور قرأ : « أَ عَجَزْتُ » بفتح الجيم وهي اللغة الفصيحة يقال : « عجزت » - بالفتح في الماضي - « أعجز » بكسرها في المضارع . وقرأ الحسن والفياض وابن مسعود وطلحة بكسرها وهي لغيّة شاذة ، وإنما المشهور أن يقال : « عجزت المرأة » بالكسر ، أي كبرت عجيزتها . و « أَنْ أَكُونَ » على إسقاط الخافض أي : عن أن أكون ، فلمّا حذف جرى فيه الخلاف المشهور . قوله : فَأُوارِيَ قرأ الجمهور بنصب الياء ، وفيها تخريجان أصحّهما : أنه عطف على « أَكُونَ » المنصوبة ب « أن » منتظما في سلكه أي : أعجزت عن كوني مشبها للغراب فمواريا . والثاني : - ولم يذكر الزمخشري غيره - أنه منصوب على جواب الاستفهام في قوله : « أَ عَجَزْتُ » يعني فيكون من باب قوله : فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا « 4 » وهذا الذي ذكره أبو القاسم ردّه أبو البقاء بعد أن حكاه عن قوم ، قال : « وذكر بعضهم أنه يجوز أن ينتصب على جواب الاستفهام وليس بشيء ، إذ ليس المعنى : أيكون مني عجز فمواراة ، ألا ترى أنّ قولك : « أين بيتك فأزورك » معناه : لو عرفت لزرت ، وليس المعنى هنا لو عجزت لواريت » قلت : وهذا الردّ على ظاهره صحيح ، وبسط عبارة أبي البقاء أنّ النحاة يشترطون في جواز نصب الفعل بإضمار « أن » بعد الأشياء الثمانية - غير النفي - أن ينحلّ الكلام إلى شرط وجزاء ، فإن انعقد منه شرط وجزاء صحّ النصب ، وإلّا امتنع ، ومنه : « أين بيتك فأزورك » [ أي : ] إن عرّفتني بيتك أزرك ، وفي هذا المقام لو حلّ منه شرط وجزاء لفسد المعنى ، إذ يصير التقدير : إن عجزت واريت ، وهذا ليس بصحيح . لأنه إذا عجز كيف يواري . وردّ الشيخ « 5 » على أبي القاسم بما تقدّم ، وجعله غلطا فاحشا ، وهو مسبوق إليه كما رأيت ، فأساء عليه الأدب بشيء نقله من غيره ، اللّه أعلم بصحته . وقرأ الفياض بن غزوان وطلحة بن مصرف بسكون الياء ، وخرّجها الزمخشري على أحد وجهين : إمّا القطع ، أي : فأنا أواري . وإمّا على التسكين في موضع النصب تخفيفا . وقال ابن عطية : « هي لغيّة لتوالي الحركات » . قال الشيخ « 6 » : « ولا يصحّ أن تعلل القراءة بهذا ما وجد عنه مندوحة ، إذ التسكين في الفتحة لا يجوز إلا ضرورة ، وأيضا فلم تتوال حركات . وقوله : فَأَصْبَحَ بمعنى صار ، قال ابن عطية : « قوله : « فَأَصْبَحَ » عبارة عن جميع أوقاته أقيم بعض الزمان مقام كله ، وخصّ الصباح بذلك لأنه بدء النهار والانبعاث إلى الأمور ومظنّة النشاط ، ومنه قول الربيع :

--> ( 1 ) انظر البحر ( 3 / 466 ) . ( 2 ) سورة يس ، الآية ( 30 ) . ( 3 ) سورة الزمر ، الآية ( 56 ) . ( 4 ) سورة الأعراف ، الآية ( 53 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 467 ) . ( 6 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 467 ) .