أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
512
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدها : أنه على حذف همزة الاستفهام ، وتقديره : أإني أريد ، وهو استفهام إنكار لأنّ إرادة المعصية قبيحة ، ومن الأنبياء أقبح ؛ فهم معصومون عن ذلك ، ويؤيّد هذا التأويل قراءة « 1 » من قرأ : « أنّى أريد » بفتح النون وهي أنّى التي بمعنى « كيف » أي : كيف أريد ذلك . والثاني : أنّ « لا » محذوفة تقديره : إني أريد أن لا تبوء كقوله تعالى : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا « 2 » رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ « 3 » أي : أن لا تضلوا ، وأن لا تميد ، وهو مستفيض ، وهذا أيضا فرار من إثبات الإرادة له . وضعّف بعضهم هذا التأويل بقوله عليه السّلام : « لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ؛ لأنه أول من سنّ القتل » « 4 » فثبت بهذا أنّ الإثم حاصل ، وهذا الذي ضعّفه به غير لازم ؛ لأنّ قائل هذه المقالة يقول : لا يلزم من عدم إرادته الإثم لأخيه عدم الإثم ، بل قد يريد عدمه ويقع . والثالث : أن الإرادة على حالها ، وهي : إمّا إرادة مجازية أو حقيقية على حسب اختلاف أهل التفسير في ذلك ، وجاءت إرادة ذلك به لمعان ذكروها ، من جملتها أنه ظهرت له قرائن تدلّ على قرب أجله وأنّ أخاه كافر وإرادة العقوبة بالكافر حسنة . وقوله : « بِإِثْمِي » في محلّ نصب على الحال من فاعل « تَبُوءَ » أي : ترجع حاملا له وملتبسا به ، وتقدّم نظيره في قوله « فَباؤُ بِغَضَبٍ » « 5 » . وقالوا : لا بدّ من مضاف ، فقدّره الزمخشري : « بمثل إثمي » قال : « على الاتساع في الكلام كما تقول : قرأت قراءة فلان ، وكتبت كتابته » وقدّره بعضهم : بإثم قتلي . وقوله : « وَذلِكَ جَزاءُ » يحتمل أن يكون من كلامه وأن يكون من كلام اللّه تعالى . قوله تعالى : فَطَوَّعَتْ : الجمهور على « طوّعت » مشدد الواو من غير ألف بمعنى « سهّلت وبعثت » قال الزمخشري : « وسّعته ويسّرته من « طاع له المرتع » إذا اتسع » . انتهى . والتضعيف فيه للتعدية لأنّ الأصل : طاع له قتل أخيه ، أي : انقاد ، من الطواعية فعدّي بالتضعيف ، فصار الفاعل مفعولا كحاله مع الهمزة . وقرأ الحسن وزيد بن علي وجماعة كثيرة : « فطاوعت » ، وأبدى الزمخشري فيها احتمالين : أحدهما : أن يكون ممّا جاء في فاعل لغير مشاركة بين شيئن ، بل بمعنى فعّل نحو : ضاعفته وضعّفته وناعمته ونعّمته ، وهذان المثالان من أمثلة سيبويه « 6 » ، قال : « فجاؤوا به على مثال عاقبته » ، قال : « وقد تجيء فاعلت لا تريد بها عمل اثنين ، ولكنهم بنوا عليه الفعل كما بنوه على أفعلت » وذكر أمثلة منها « عافاه اللّه » وقلّ من ذكر أنّ فاعل يجيء بمعنى فعّلت . والاحتمال الثاني : أن تكون على بابها من المشاركة وهو أنّ قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته » انتهى . وإيضاح العبارة في ذلك أن يقال : جعل القتل يدعو إلى نفسه لأجل الحسد الذي لحق قابيل ، وجعلت النفس تأبى ذلك وتشمئز منه ، فكلّ منهما - أعني القتل والنفس - كأنه يريد من صاحبه أن يطيعه إلى أن غلب القتل النفس فطاوعته .
--> ( 1 ) انظر البحر ( 3 / 463 ) . ( 2 ) سورة النساء ، الآية ( 176 ) . ( 3 ) سورة النحل ، الآية ( 15 ) . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 6 / 364 ) ، كتاب أحاديث الأنبياء - - ( 3335 ) ، ومسلم ( 3 / 1304 ) ، كتاب القسامة ( 27 - 1677 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية ( 90 ) . ( 6 ) انظر الكتاب ( 2 / 239 ) .