أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

501

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقال صاحب الكشاف : « وقرأ عبد اللّه : « قسيّة » أي : رديئة مغشوشة من قولهم : « درهم قسيّ » وهو من القسوة ؛ لأنّ الذهب والفضة الخالصين فيهما لين ، والمغشوش فيه صلابة ويبس ، والقاسي والقاسح - بالحاء المهملة - أخوان في الدلالة على اليبس » . وهذا القول سبقه إليه المبرد فإنه قال : « يسمّى الدرهم المغشوش قسيّا لصلابته وشدته للغشّ الذي فيه » ، وهو يرجع للمعنى الأول ، والقاسي والقاسح ، بمعنى واحد ، وعلى هذين القولين تكون اللفظة عربية ، وقيل : بل هذه القراءة توافق قراءة الجماعة في المعنى والاشتقاق ، لأنه فعيل للمبالغة كشاهد وشهيد فكذلك قاس وقسيّ ، وإنما أنّث على معنى الجماعة . وقرأ الهيضم بن شداخ : « قسيّة » بضم القاف وتشديد الياء . وقرىء « قسيّة » بكسر القاف اتباعا ، وأصل القراءتين : قاسوة وقسيوة لأنّ الاشتقاق من القسوة . قوله : يُحَرِّفُونَ في هذه الجملة أربعة أوجه : أحدها : أنها مستأنفة بيان لقسوة قلوبهم ، لأنه لا قسوة أعظم من الافتراء على اللّه تعالى . والثاني : أنها حال من مفعول « لَعَنَّاهُمْ » أي : لعنّاهم حال اتصافهم بالتحريف . والثالث : - قاله أبو البقاء - أنه حال من الضمير المستتر في « قاسِيَةً » ، وقال : « ولا يجوز أن يكون حالا من القلوب ، لأن الضمير في « يُحَرِّفُونَ » لا يرجع إلى القلوب » وهذا الذي قاله فيه نظر ، لأنه من حيث جوّز أن يكون حالا من الضمير في « قاسِيَةً » يلزمه أن يجوّز أن يكون حالا من « القلوب » لأنّ الضمير المستتر في « قاسِيَةً » يعود على القلوب ، فكما يمتنع أن يكون حالا من ظاهره ، يمتنع أن يكون حالا من ضميره ، وكأن المانع الذي توهّمه كون الضمير - وهو الواو في « يُحَرِّفُونَ - إنما يعود على اليهود بجملتهم لا على قلوبهم خاصة ، فإنّ القلوب لا تحرّف ، إنما يحرّف أصحاب القلوب ، وهذا لازم له في تجويزه الحالية من الضمير في « قاسِيَةً » . ولقائل أن يقول : المراد بالقلوب نفس الأشخاص ، وإنما عبّر عنهم بالقلوب لأن هذه الأعضاء هي محلّ التحريف أي : إنه صادر عنها بتفكّرها فيه ، فيجوز على هذا أن يكون حالا من القلوب . والرابع : أن تكون حالا من « هم » قال أبو البقاء : « وهو ضعيف » يعني لأنّ الحال من المضاف إليه لا تجوز ، وغيره يجوّز ذلك في مثل هذا الموضع ؛ لأنّ المضاف بعض المضاف إليه . وقرأ الجمهور بفتح الكاف وكسر اللام وهو جمع « كلمة » ، وقرأ أبو رجاء : « الكلم » بكسر الكاف وسكون اللام ، وهو تخفيف قراءة الجماعة ، وأصلها أنه كسر الكاف اتباعا ثم سكّن العين تخفيفا ، وقرأ السلمي والنخعي : « الكلام » بالألف . و « عَنْ مَواضِعِهِ » قد ذكر مثله في النساء « 1 » . قوله : عَلى خائِنَةٍ في « خائِنَةٍ » ثلاثة أوجه : أحدها : أنها اسم فاعل والهاء للمبالغة كراوية ونسّابة أي : على شخص خائن ، قال الشاعر : 1721 - حدّثت نفسك بالوفاء ولم تكن * للغدر خائنة مغلّ الإصبع « 2 » الثاني : أن التاء للتأنيث ، وأنّث على معنى طائفة أو نفس أو فعلة خائنة . الثالث : أنها مصدر كالعافية والعاقبة ، ويؤيّد هذا الوجه قراءة الأعمش : « على خيانة » . وأصل خائنة :

--> ( 1 ) انظر تفسير الآية ( 46 ) . ( 2 ) البيت للكلابي كذا نسبه ابن منظور في اللسان ( صبع ) .