أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
495
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
تخريج الآية على الجوار مكي بن أبي طالب وغيره ، قال مكي : « وقال الأخفش وأبو عبيدة : « الخفض فيه على الجوار ، والمعنى للغسل » وهو بعيد لا يحمل القرآن عليه » . وقال أبو البقاء « وهو الإعراب الذي يقال : هو على الجوار ، وليس بممتنع أن يقع في القرآن لكثرته فقد جاء في القرآن والشعر ، فمن القرآن قوله تعالى : « وَحُورٌ عِينٌ » « 1 » على قراءة من جرّ ، وهو معطوف على قوله : « بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ » وهو مختلف المعنى ، إذ ليس المعنى : يطوف عليهم ولدان مخلّدون بحور عين . وقال النابغة : 1714 - لم يبق إلّا أسير غير منفلت * أو موثق في حبال القوم مجنوب « 2 » والقوافي مجرورة ، والجوار مشهور عندهم في الإعراب » ثم ذكر أشياء كثيرة زعم أنها مقوية لمدّعاه ، منها : قلب الإعراب في الصفات كقوله تعالى : عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ « 3 » واليوم ليس بمحيط ، وإنما المحيط [ هو ] العذاب ، ومثله قوله تعالى : فِي يَوْمٍ عاصِفٍ « 4 » و « عاصِفٍ » ليس من صفة اليوم بل من صفة الريح . ومنها : قلب بعض الحروف إلى بعض كقوله عليه السّلام : « ارجعن مأزورات غير مأجورات « 5 » ، والأصل : « موزورات « ، ولكن أريد التواخي ، وكذلك قولهم : « إنه ليأتينا بالغدايا والعشايا » ويعني أنّ الأصل : « بالغداوى » لأنها من الغدوة ، ولكن لأجل « ياء » العشايا » جاءت بالياء دون الواو . ومنها : « تأنيث المذكر كقوله تعالى : فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها « 6 » فحذف التاء من « عشر » وهي مضافة إلى الأمثال وهي مذكرة ، ولكن لمّا جاورت الأمثال ضمير المؤنث أجرى عليها حكمه ، وكذلك قوله : 1715 - لمّا أتى خبر الزّبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشّع « 7 » وقولهم : « ذهبت بعض أصابعه » ، يعني أنّ « سور » مذكرة ، و « بعض » أيضا كذلك ، ولكن لمّا جاورا المؤنث أعطيا حكمه . ومنها : « قامت هند » لمّا لم يفصلوا أتوا بالتاء ، ولمّا فصلوا لم يأتوا بها ، ولا فرق إلا المجاورة وعدمها . ومنها : استحسانهم النصب في الاشتغال بعد جملة فعلية في قولهم : « قام زيد وعمرا كلمته » لمجاورة الفعل . ومنها : قلبهم الواو المجاورة للطرف همزة نحو : « أوائل » بخلاف « طواويس » لبعدها من مجاورة الطرف . قال : « وهذا موضع يحتمل أن يكتب فيه أوراق من الشواهد ، قد بوّب النحويون له بابا ورتّبوا عليه مسائل وأصّلوه بقولهم : « هذا جحر ضب خرب » ، حتى اختلفوا في جواز جر التثنية والجمع ، فأجاز الاتباع فيهما جماعة من حذّاقهم قياسا على المفرد المسموع ، ولو كان لا وجه له بحال لاقتصروا فيه على المسموع فقط ، ويتأيد ما ذكرناه أنّ الجرّ في الآية قد أجيز غيره - وهو الرفع والنصب - والرفع والنصب غير قاطعين ولا ظاهرين على أحكم الرجلين المسح ، فكذلك الجرّ يجب أن يكون كالنصب والرفع في الحكم دون الإعراب » انتهى . أمّا قوله : « إنّ « وَحُورٌ عِينٌ » من هذا الباب فليس بشيء ، لأنه : إمّا أن يقدّر عطفهما على ما تقدم بتأويل ذكره الناس كما سيأتي أو بغير تأويل ، وإما أن لا يعطفهما ، فإن عطفهما على ما تقدم وجب الجر ، وإن لم يعطفهما لم يجز
--> ( 1 ) سورة الواقعة ، الآية ( 22 ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 92 ) برواية « موثق مجنوب » . ( 3 ) سورة هود ، الآية ( 84 ) . ( 4 ) سورة إبراهيم ، الآية ( 18 ) . ( 5 ) أخرجه ابن ماجة ( 1 / 503 ) ، كتاب الجنائز ( 1578 ) ، قال في الزوائد : في إسناده دينار بن عمر وهو وإن وثقه وكيع وذكره ابن حبان في الثقات فقد قال أبو حاتم : ليس بالمشهور وقال الأزدي : متروك ، وقال الخليلي في الإرشاد : كذاب . ( 6 ) سورة الأنعام ، الآية ( 160 ) . ( 7 ) تقدم .