أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
496
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الجر ، وأمّا جرّهما على ما ذكره الناس فقيل : لعطفهما على المجرور بالباء قبلهما على تضمين الفعل المتقدم « يتلذذون وينعمون بأكواب وكذا وكذا » ، أو لا يضمّن الفعل شيئا ويكون لطواف الولدان بالحور العين على أهل الجنة لذاذة لهم بذلك ، والجوار إنما يكون حيث يستحق الاسم غير الجر فيجرّ لمجاورة ما قبله ، وهذا - كما ترى - قد صرّح هو به أنه معطوف على « بِأَكْوابٍ » غاية ما في الباب أنه جعله مختلف المعنى ، يعني أنه عنده لا يجوز عطفهما على « بِأَكْوابٍ » إلا بمعنى آخر وهو تضمين الفعل ، وهذا لا يقدح في العطفية . وأما البيت فجرّ « موثق » ليس لجواره ل « منفلت » وإنما هو مراعاة للمجرور ب « غير » ، لأنهم نصّوا على أنك إذا جئت بعد « غير » ومخفوضها بتابع جاز أن يتبع لفظ « غير » وأن يتبع المضاف إليه . وأنشدوا البيت ، ويروى : « لم يبق فيها طريد غير منفلت » ، وأما باقي الأمثلة التي أوردها فليست من المجاورة التي تؤثر في تغيير الإعراب ، وقد تقدّم أن النحويين خصّصوا ذلك بالنعت وأنه قد جاء في التوكيد ضرورة . التخريج الثاني : أنه معطوف على « بِرُؤُسِكُمْ » لفظا ومعنى ، ثم نسخ ذلك بوجوب الغسل ، أو هو حكم باق ، وبه قال جماعة ، أو يحمل مسح الأرجل على بعض الأحوال وهو لبس الخفّ ، ويعزى للشافعي . التخريج الثالث : أنها جرّت منبهة على عدم الإسراف باستعمال الماء لأنها مظنّة لصبّ الماء كثيرا ، فعطفت على الممسوح ، والمراد غسلها لما تقدم ، وإليه ذهب الزمخشري . قال : « وقيل : « إِلَى الْكَعْبَيْنِ » فجيء بالغاية إماطة لظنّ ظانّ يحسبها ممسوحة ، لأنّ المسح لم تضرب له غاية في الشريعة » وكأنه لم يرتض هذا القول الدافع لهذا الوهم وهو كما قال . التخريج الرابع : أنها مجرورة بحرف جر مقدر دلّ عليه المعنى ، ويتعلّق هذا الحرف بفعل محذوف أيضا يليق بالمحل ، فيدّعى حذف جملة فعلية وحذف حرف جر ، قالوا : وتقديره : « وافعلوا بأرجلكم غسلا » . قال أبو البقاء : « وحذف حرف الجر وإيفاء الجر جائز كقوله : 1716 - مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة * ولا ناعب إلّا ببين غرابها « 1 » وقال الآخر : 1717 - بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى * ولا سابق شيئا إذا كان جائيا « 2 » فجرّ بتقدير الباء ، وليس بموضع ضرورة ، وقد أفردت لهذه المسألة كتابا » قوله : « وإبقاء الجر » ليس على إطلاقه ، وإنما يطّرد منه مواضع نصّ عليها أهل اللسان ليس هذا منها ، وأمّا البيتان فالجرّ فيهما عند النحاة يسمى « العطف على التوهّم » ، يعني كأنه توهّم وجود الباء زائدة في خبر « ليس » لأنها يكثر زيادتها ، ونظّروا ذلك بقوله تعالى : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ « 3 » بجزم « أَكُنْ » عطفا على « فَأَصَّدَّقَ » على توهّم سقوط الفاء من « فَأَصَّدَّقَ » نصّ عليه سيبويه « 4 » وغيره ، فظهر فساد هذا التخريج .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) البيت لزهير انظر ديوانه ( 287 ) ، الكتاب ( 1 / 83 ) ، ابن يعيش ( 2 / 52 ) ، الدرر اللوامع ( 2 / 105 ) . ( 3 ) سورة المنافقون ، الآية ( 10 ) . ( 4 ) انظر الكتاب ( 1 / 154 ، 452 ) .