أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
484
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : أنّا لا نسلّم أن الصدّ كان قبل نزول الآية فإنّ نزولها عام الفتح ليس مجمعا عليه . وذكر اليزيدي أنها نزلت قبل الصدّ فصار الصدّ أمرا منتظرا . والثاني : أنه وإن سلّمنا أن الصدّ كان متقدما على نزولها فيكون المعنى : إن وقع صد مثل ذلك الصد الذي وقع زمن الحديبية - أو يستديموا ذلك الصدّ الذي وقع منهم - فلا يجرمنكم ، قال مكي : « ومثله عند سيبويه قول الشاعر - وهو الفرزدق - : 1699 - أتغضب إن أذنا قتيبة حزّتا * . . . « 1 » وذلك شيء قد كان ووقع ، وإنما معناه : « إن وقع مثل ذلك الغضب ، وجواب الشرط ما قبله » يعني : وجواب الشرط دلّ عليه ما قبله ، لأن البصريين يمنعون تقديم الجواب إلا أبا زيد . وقال مكي أيضا : « ونظير ذلك أنّ يقول رجل لامرأته : « أنت طالق إن دخلت الدار » بكسر « إن » لم تطلق عليه بدخولها الأول لأنه أمر ينتظر ، ولو فتح لطلقت عليه ، لأنه أمر كان ووقع ، ففتح « أن » لما هو علة لما كان ووقع ، وكسرها إنما هو لأمر ينتظر ، والوجهان حسنان على معنييهما » وهذا الذي قاله مكي فصّل فيه الفقهاء بين من يعرف النحو وبين من لا يعرفه . ويؤيد قراءة الأبوين قراءة عبد اللّه بن مسعود : « إن يصدّوكم » قال أبو عبيد : « حدّثنا حجاج عن هارون قال : قرأ ابن مسعود فذكرها ، قال : وهذا لا يكون إلا على استئناف الصدّ ، يعني إن وقع صدّ آخر مثل ما تقدم عام الحديبية . ونظم هذه الآيات على ما هي عليه من أبلغ ما يكون وأفصحه ، وليس فيها تقديم ولا تأخير كما زعم بعضهم فقال : أصل تركيب الآية الأولى : « غير محلي الصيد وأنتم حرم ، فإذا حللتم فاصطادوا » ، وأصل تركيب الثانية : « ولا آمّين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ولا يجرمنكم » ونظّره بآية البقرة يعني : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ « 2 » ، وهذا لا حاجة إليه مع أنّ التقديم والتأخير عند الجمهور من ضرائر الشعر فيجب تنزيه القرآن عنه ، وليست الجملة أيضا من قوله : « وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا » معترضة بين قوله : « وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ » وبين قوله : « وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ » ، بل هي مؤسسة ومنشئة حكما ، وهو حلّ الاصطياد عند التحلّل من الإحرام ، والجملة المعترضة إنما تفيد توكيدا وتسديدا ، وهذه مفيدة حكما جديدا كما تقدم . وقوله : أَنْ تَعْتَدُوا قد تقدّم أنه من متعلقات « لا يَجْرِمَنَّكُمْ » على أنه مفعول ثان أو على حذف حرف الجر ، فمن كسر « إن صدوكم » يكون الشرط وجوابه المقدر في محلّ جر صفة ل « قوم » أي شنآن قوم هذه صفتهم ، ومن فتحها فمحلّها الجرّ أو النصب ، لأنها على حذف لام العلة كما تقدم . قال الزمخشري : « والمعنى : ولا يكسبنكم بغض قوم لأن صدّوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه » . قال الشيخ « 3 » : وهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب ، لأنه يمتنع أن يكون مدلول « جرم » حمل وكسب في استعمال واحد لاختلاف مقتضاهما ، فيمتنع أن يكون « [ أن ] تعتدوا » في محلّ مفعول به ومحلّ مفعول على إسقاط
--> ( 1 ) صدر بيت وعجزه : . . . * جهارا ولم تغضب لقتل ابن حازم انظر ديوانه ( 614 ) ، الكتاب ( 1 / 479 ) ، الخزانة - - ( 3 / 655 ) ، الدرر ( 2 / 13 ) . ( 2 ) انظر تفسير الآية ( 67 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 422 ) .