أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
485
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
حرف الجر » . وهذا الذي قاله لا يتصوّر أن يتوهّمه من له أدنى بصر بالصناعة حتى ينبّه عليه . وقد تقدّم قراءة البزي في نحو : « ولا تّعاونوا » وأنّ الأصل : « تتعاونوا » فأدغم ، وحذف الباقون إحدى التاءين عند قوله تعالى : « وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ » « 1 » . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 3 ] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 3 ) وتقدّم أيضا إعراب حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ « 2 » : وأصلها وقدم هنا لفظ الجلالة في قوله : « وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ » وأخّرت هناك ، لأنها في البقرة « 3 » فاصلة أو تشبه الفاصلة بخلافها هنا ، فإنها بعدها معطوفات ، والموقوذة : هي التي وقذت أي : ضربت بعصا ونحوها حتى ماتت ، من : وقذه أي : ضربه حتى استرخى ، ومنه : « وقذه النعاس » أي : غلبه ، ووقذه الحلم أي : سكنه ، وكأن المادة دالة على سكون واسترخاء . والمتردّية : من تردّى أي : سقط من علوّ فهلك ، ويقال : « ما يدري أين ردى » أي : ذهب ، وردى وتردّى بمعنى هلك . والنّطيحة : فعيلة بمعنى مفعولة ، وكان من حقها ألّا تدخلها تاء التأنيث كقتيل وجريح ، إلا أنها جرت مجرى الأسماء أو لأنها لم يذكر موصوفها ، كذا قاله أبو البقاء ، وفيه نظر ، لأنهم إنما يلحقون التاء إذا لم يذكر الموصوف لأجل اللّبس نحو : « مررت بقتيلة بني فلان » لئلا يلبس المذكر بالمؤنث ، وهنا اللبس منتف ، وأيضا فحكم الذكر والأنثى في هذا سواء . و « ما أَكَلَ السَّبُعُ » : « ما » بمعنى الذي وعائده محذوف أي : وما أكله السبع ، ومحلّ هذا الموصول الرفع عطفا على ما لم يسمّ فاعله ، وهذا غير ماش على ظاهره لأنّ ما أكله السبع وفرغ منه لا يذكّى ، ولذلك قال أبو القاسم الزمخشري : « وما أكل بعضه السبع » . وقرأ الحسن والفياض وأبو حيوة : « السّبع » بسكون الباء وهو تسكين للمضموم . ونقل فتح السين والباء معا ، والسّبع : كل ذي ناب ومخلب كالأسد والنمر ، ويطلق على ذي المخلب من الطيور أيضا ، قال : 1700 - وسباع الطّير تغدو بطانا * تتخطّاهم فما تستقلّ « 4 » قوله : إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ فيه قولان : أحدهما : أنه مستثنى متصل ، والقائلون بأنه استثناء متصل اختلفوا : فمنهم من قال : هو مستثنى من قوله : « وَالْمُنْخَنِقَةُ » إلى قوله : « وَما أَكَلَ السَّبُعُ » . وقال أبو البقاء : « والاستثناء راجع إلى المتردية والنطيحة وأكيلة السّبع » وليس إخراجه المنخنقة منه بجيد . ومنهم من قال : « هو مستثنى من « ما أَكَلَ السَّبُعُ » خاصة . والقول الثاني : أنه منقطع أي : ولكن ما ذكّيتم من غيرها فحلال ، أو فكلوه ، وكأنّ هذا القائل رأى أنها وصلت
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 267 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 173 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 173 ) . ( 4 ) انظر البيت في البحر ( 3 / 410 ) .