أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

483

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بفتح الباء والياء ، بل الكثير أن يكون مصدرا نحو : « الغليان والنزوان » « 1 » ، فإن أريد بالشنآن الساكن العين الوصف فالمعنى : ولا يجرمنكم بغيض قوم ، وبغيض بمعنى مبغض اسم فاعل من أبغض وهو متعدّ ، ففعيل بمعنى الفاعل كقدير ونصير ، وإضافته لقوم على هذا إضافة بيان أي : إنّ البغيض من بينهم ، وليس مضافا لفاعل ولا مفعول ، بخلاف ما إذا قدّرته مصدرا فإنه يكون مضافا إلى مفعوله أو فاعله كما سيأتي . وقال صاحب هذا القول : « يقال : رجل شنآن وامرأة شنآنة كندمان وندمانة ، وقياس هذا أن يكون من فعل متعدّ » وحكى : رجل شنآن وامرأة شنأى كسكران وسكرى ، وقياس هذا أن يكون من فعل لازم ، ولا بعد في ذلك ، فإنهم قد يشتقون من مادة واحدة القاصر والمتعدي ، قالوا : « فغرت فاه وفغر فوه » أي : فتحه فانفتح ، وإن أريد به المصدر فواضح ، ويكون مضافا إلى مفعوله أي : بغضكم لقوم ، فحذف الفاعل ، ويجوز أن يكون مضافا إلى فاعله أي : بغض قوم إياكم فحذف مفعوله ، والأول أظهر في المعنى ، وحكم « شَنَآنُ » بفتح النون مصدرا وصفة حكم الساكنها ، وقد تقدّم تقرير ذلك ، ومن مجيء « شَنَآنُ » الساكن العين مصدرا قول الأحوص : 1698 - وما الحبّ إلّا ما تلذّ وتشتهي * وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا « 2 » أراد الشنآن بسكون النون فنقل حركة الهمزة إلى النون الساكنة ، وحذف الهمزة ، ولولا سكون النون لما جاز النقل ، ولو قال قائل : إن الأصل « الشنآن » بفتح النون ، وخفف الهمزة بحذفها رأسا ، كما قرىء « إنها لإحدى الكبر » « 3 » بحذف همزة « إحدى » لكان قولا يسقط به الدليل لاحتماله . والشنآن بالفتح ممّا شذّ عن القاعدة الكلية ، قال سيبويه « 4 » : « كلّ بناء من المصادر على وزن فعلان بفتح العين لم يتعدّ فعله إلا أن يشذّ شيء كالشّنآن » يعني أنه مصدر على فعلان بالفتح ومع ذلك فعله متعدّ ، وفعله أكثر الأفعال مصادر ، سمع له ستة عشر مصدرا قالوا : شنىء يشنأ شنئا « 5 » وشنآنا مثلثي الشين فهذه ست لغات « 6 » . وقرأ ابن وثاب والحسن والوليد « 2 » عن يعقوب : « يجرمنكم » بسكون النون ، جعلوها نون التوكيد الخفيفة ، والنهي في اللفظ للشنآن وهو في المعنى للمخاطبين نحو : « لا أرينّك ههنا » و فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ « 7 » قاله مكي . قوله تعالى : أَنْ صَدُّوكُمْ قرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر « إن » والباقون بفتحها ، فمن كسر فعلى أنها شرطية ، والفتح على أنها علة للشنآن أي : لا يكسبنّكم - أو لا يحملنّكم - بغضكم لقوم لأجل صدّهم إياكم عن المسجد الحرام ، وهي قراءة واضحة . وقد استشكل الناس قراءة الأبوين من حيث إنّ الشرط يقتضي أنّ الأمر المشروط لم يقع ، والفرض أنّ صدّهم عن البيت الحرام كان وقد وقع ، ونزول هذه الآية متأخر عنه بمدة ، فإنّ الصدّ وقع عام الحديبية وهي سنة ست ، والآية نزلت سنة ثمان ، وأيضا فإنّ مكة كانت عام الفتح في أيديهم فكيف يصدون عنها ؟ قال ابن جريج والنحاس وغيرهما : « هذه القراءة منكرة » ، واحتجوا بما تقدم من الإشكال ، ولا إشكال في ذلك . فالجواب عما قالوه من وجهين :

--> ( 1 ) النّزوان : القماص والوثب . اللسان : ( نزا ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 99 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 147 ) ، البحر ( 3 / 422 ) . ( 3 ) سورة المدثر ، الآية ( 35 ) . ( 4 ) انظر الكتاب ( 2 / 216 ) . ( 5 ) قال في اللسان : شنىء الشيء وشنأه أيضا يشنؤه فيهما شنأ وشنأ - - وشنأ وشنأة ومشنئا ومشنأة ومشنؤة وشنآنا وشنآنا - بالتحريك والتسكين - : أبغضه . اللسان : ( شنأ ) . ( 6 ) الوليد بن حسان التوزي البصري روى عنه عرضا محمد بن الجهم انظر غاية النهاية ( 2 / 359 ) . ( 7 ) سورة البقرة ، الآية ( 132 ) .