أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

479

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

محلّا باعتبار أحد الوجهين المذكورين من كونه بلغ أو صار ذا حلّ اتضح كونه استثناء ثانيا ولا يكون استثناء من استثناء . إذ لا يمكن ذلك لتناقض الحكم ، لأنّ المستثنى من المحلّل محرّم ، والمستثنى من المحرم محلّل ، بل إن كان المعنيّ بقوله « بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ » الأنعام أنفسها فيكون استثناء منقطعا ، وإن كان المراد الظباء وبقر الوحش وحمره ، فيكون استثناء متصلا على أحد تفسيري المحلّ ، استثنى الصيد الذي بلغ الحلّ في حال كونهم محرمين . فإن قلت : ما فائدة هذا الاستثناء بقيد بلوغ الحلّ ، والصيد الذي في الحرم لا يحلّ أيضا ؟ قلت : الصيد الذي في الحرم لا يحلّ للمحرم ولا لغير المحرم ، وإنما يحلّ لغير المحرم الصيد الذي في الحلّ ، فنبّه بأنه إذا كان الصيد الذي في الحلّ يحرم على المحرم - وإن كان حلالا لغيره - فأحرى أن يحرم عليه الصيد الذي هو بالحرم ، وعلى هذا التفسير يكون قوله : « إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ » إن كان المراد به ما جاء بعده من قوله : « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ » الآية استثناء منقطعا إذ لا تختص الميتة وما ذكر معها بالظباء وبقر الوحش وحمره فيصير : « لكن ما يتلى عليكم - أي : تحريمه - فهو محرّم » ، وإن كان المراد ببهيمة الأنعام الأنعام والوحوش فيكون الاستثناءان راجعين إلى المجموع على التفصيل فيرجع « ما يُتْلى عَلَيْكُمْ » إلى ثمانية الأزواج ، ويرجع « غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ » إلى الوحوش ، إذ لا يمكن أن يكون الثاني استثناء من الاستثناء الأول ، وإذا لم يمكن ذلك وأمكن رجوعه إلى الأول بوجه ما رجع إلى الأول ، وقد نص النحويون أنه إذا لم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض جعل الكلّ مستثنى من الأول نحو : « قام القوم إلا زيدا إلا عمروا إلا بكرا » . فإن قلت : ما ذكرته من هذا التخريج وهو كون المحلّ من صفة الصيد لا من صفة الناس ولا من صفة الفاعل المحذوف يأباه رسمه في المصحف « مُحِلِّي » بالياء ، ولو كان من صفة الصيد دون الناس لكتب « محلّ » من غير ياء ، وكون القراء وقفوا عليه بالياء أيضا يأبى ذلك . قلت : لا يعكر ذلك على التخريج ، لأنهم قد رسموا في المصحف الكريم أشياء تخالف النطق بها ككتابتهم « لا أذبحنّه » « 1 » و « لا أوضعوا » « 2 » ألفا بعد لام الألف ، وكتابتهم « بأييد » « 3 » بياءين بعد الهمزة ، وكتابتهم « أولئك » بزيادة واو ، ونقص ألف بعد اللام ، وكتابتهم « الصالحات » ونحوه بسقوط الألفين إلى غير ذلك : وأمّا وقفهم عليه بالياء فلا يجوز ، إذ لا يوقف على المضاف دون المضاف إليه ، وإن وقف واقف فإنّما يكون لقطع نفس أو اختبار ، وعلى أنه يمكن توجيه كتابته بالياء والوقف عليه بها وهو أنّ لغة الأزد يقفون فيها على « بزيد » : بزيدي ، بإبدال التنوين ياء فكتب « مُحِلِّي » على الوقف على هذه اللغة بالياء ، وهذا توجيه شذوذ رسمي ، ورسم المصحف مما لا يقاس عليه » انتهى . وهذا الذي ذكره واختاره وغلّط الناس فيه ليس بشيء ، وما ذكره من توجيه ثبوت الياء خطأ ووقفا فخطأ محض ؛ لأنه على تقدير تسليم ذلك في تلك اللغة فأين التنوين الذي في « محل » ؟ وكيف يكون فيه تنوين وهو مضاف حتى يقول : إنه قد يوجّه بلغة الأزد ، وما ذكره من كونه يحتمل مما يكونون قد كتبوه كما كتبوا تلك الأمثلة المذكورة فشئ لا يعوّل عليه ، لأنّ خط المصحف سنّة متبعة لا يقاس عليه فكيف يقول : يحتمل أن يقاس هذا على تلك الأشباء ؟ وأيضا فإنهم لم يعربوا « غَيْرَ » إلا حالا ، حتى نقل بعضهم الإجماع على ذلك ، وإنما اختلفوا في صاحب الحال ، فقوله : إنه استثناء ثان مع هذه الأوجه الضعيفة خرق للإجماع ، إلا ما تقدم نقله عن بعضهم من أنه استثناء ثان ، وعزاه للبصريين ، لكن لا على هذا المدرك الذي ذكره الشيخ . وقديما وحديثا استشكل الناس هذه الآية . قال ابن عطية :

--> ( 1 ) سورة النمل ، الآية ( 21 ) . ( 2 ) سورة التوبة ، الآية ( 47 ) . ( 3 ) سورة الذاريات ، الآية ( 47 ) .