أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

480

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« وقد خلط الناس في هذا الموضع في نصب « غيره » وقدّروا تقديمات وتأخيرات ، وذلك كله غير مرض ، لأنّ الكلام على اطراده فيمكن استثناء بعد استثناء » . وهذه الآية مما اتضح للفصحاء البلغاء فصاحتها وبلاغتها ، حتى يحكى أنه قيل للكندي « 1 » : « أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن » فقال : « نعم أعمل لكم مثل بعضه » ، فاحتجب أياما كثيرة ، ثم خرج فقال : « واللّه لا يقدر أحد على ذلك ، إنني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث وحلّل تحليلا عاما ثم استثنى استثناء بعد استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين » . والجمهور على نصب « غَيْرَ » ، وقرأ ابن أبي عبلة برفعه ، وفيه وجهان : أظهرهما : أنه نعت ل « بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ » والموصوف ب « غَيْرَ » لا يلزم فيه أن يكون مماثلا لما بعدها في جنسه ، تقول : مررت برجل غير حمار » هكذا قالوه ، وفيه نظر ، ولكن ظاهر هذه القراءة يدلّ لهم . والثاني : أنه نعت للضمير في « يُتْلى » قال ابن عطية : « لأنّ « غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ » في المعنى بمنزلة « غير مستحلّ إذا كان صيدا » وفيه تكلّف . والصيد في الأصل مصدر صاد يصيد ويصاد ، ويطلق على المصيد ك « درهم ضرب الأمير » ، وهو في الآية الكريمة يحتمل الأمرين : أعني من كونه باقيا على مصدريته ، كأنه قيل : أحلّ لكم بهيمة الأنعام غير محلّين الاصطياد وأنتم محرمون ، ومن كونه واقعا موقع المفعول أي : غير محلّين الشيء المصيد وأنتم محرمون . وقوله : وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال ، وما هو صاحب هذه الحال ؟ فقال الزمخشري : « هي حال عن « مُحِلِّي الصَّيْدِ » كأنه قيل : أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون لئلا نتحرّج عليكم » . قال الشيخ « 2 » : « وقد بيّنّا فساد هذا القول بأنّ الأنعام مباحة مطلقا لا بالتقييد بهذه الحال » . وهذا الردّ ليس بشيء لأنه إذا أحلّ لهم بعض الأنعام في حال امتناعهم من الصيد فأن يحلّها لهم وهم غير محرمين بطريق الأولى . و « حُرُمٌ » جمع حرام بمعنى محرم قال : 1695 - فقلت لها فيئي إليك فإنّني * حرام وإنّي بعد ذاك لبيب « 3 » أي : ملبّ ، وأحرم : إذا دخل في الحرم أو في الإحرام . وقال مكي بن أبي طالب : « هو في موضع نصب على الحال من المضمر في « مُحِلِّي » ، وهذا هو الصحيح ، وأما ما ذكره أبو القاسم فلا يظهر ، وفيه مجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع المستثناة . وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم والحسن : « حرم » بسكون الراء ، قال أبو الحسن : « هي لغة تميم » يعني يسكّنون ضم « فعل » جمعا نحو : « رسل » . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 2 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 2 )

--> ( 1 ) هو يعقوب بن إسحاق ، فيلسوف نشأ في البصرة توفي سنة ( 260 ) انظر الأعلام ( 8 / 195 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 418 ) . ( 3 ) البيت للمخبل السعدي انظر أمالي ابن الشجري ( 1 / 174 ) ، أمالي القالي ( 2 / 171 ) ، الخزانة ( 1 / 270 ) ، اللسان ( لبب ) .