أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

469

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الطلب معنى الشرط من غير تقدير شرط صناعي . الرابع : - والظاهر فساده - أنه منصوب على الحال ، نقله مكي عن بعض الكوفيين ، قال : « وهو بعيد » ونقله أبو البقاء أيضا ولم يعزه . قوله تعالى : والغلوّ : تجاوز الحدّ ، ومنه : « غلوة السهم » و « غلاء السعر » . قوله : « إِلَّا الْحَقَّ » هذا استثناء مفرغ ، وفي نصبه وجهان : أحدهما : أنه مفعول به لأنه تضمّن معنى القول نحو : « قلت خطبة » . والثاني : أنه نعت مصدر محذوف أي : إلا القول الحق ، وهو قريب في المعنى من الأول . وقرأ جعفر بن محمد : « المسّيح » بوزن « السّكّيت » كأنه جعله مثال مبالغة نحو : « شرّيب العسل » ، و « الْمَسِيحُ » مبتدأ بعد « إنّ » المكفوفة ، و « عِيسَى » بدل منه أو عطف بيان ، و « ابْنُ مَرْيَمَ » صفته و « رَسُولُ اللَّهِ » خبر المبتدأ ، و « كَلِمَتُهُ » عطف عليه . و أَلْقاها جملة ماضية في موضع الحال ، و « قد » معها مقدرة . وفي عامل الحال ثلاثة أوجه نقلها أبو البقاء . أحدها : أنه معنى « كلمة » لأنّ معنى وصف عيسى بالكلمة : المكون بالكلمة من غير أب ، فكأنه قال : ومنشؤه ومبتدعه . والثاني : أن يكون التقدير : إذ كان ألقاها ، ف « إذ » ظرف زمان مستقبل ، و « كان » تامة ، وفاعلها ضمير اللّه تعالى . و « أَلْقاها » حال من ذلك الفاعل ، وهو كقولهم : « ضربي زيدا قائما » . والثالث : أن يكون حالا من الهاء المجرورة ، والعامل فيها معنى الإضافة تقديره : وكلمة اللّه ملقيا إياها » انتهى . أمّا جعله العامل معنى « كلمة » فصحيح ، لكنه لم يبين في هذا الوجه من هو صاحب الحال ؟ وصاحب الحال الضمير المستتر في « كَلِمَتُهُ » العائد على عيسى لما تضمّنته من معنى المشتق نحو : « منشأ ومبتدع » ، وأمّا جعله العامل معنى الإضافة فشئ ضعيف ، ذهب إليه بعض النحويين ، وأمّا تقديره الآية بمثل « ضربي زيدا قائما » ففاسد من حيث المعنى . واللّه أعلم . و « رُوحٌ » عطف على « كلمة » ، و « منه » صفة ل « روح » ، و « من » لابتداء الغاية مجازا ، وليست تبعيضية . ومن غريب ما يحكى أن بعض النصارى ناظر علي بن الحسين بن واقد المروزي « 1 » وقال : « في كتاب اللّه ما يشهد أنّ عيسى جزء من اللّه » وتلا : « وَرُوحٌ مِنْهُ » ، فعارضه ابن واقد بقوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ « 2 » ، وقال : « يلزم أن تكون تلك الأشياء جزءا من اللّه تعالى وهو محال بالاتفاق » فانقطع النصراني وأسلم .

--> ( 1 ) علي بن الحسين بن واقد كان عالما ، صاحب حديث كأبيه . قال البخاري : توفى سنة إحدى عشرة ومئتين انظر سير أعلام النبلاء ( 1 / 211 ) ، المغني في الضعفاء ( 2 / 446 ) ، تهذيب التهذيب ( 7 / 308 ) ، شذرات الذهب ( 2 / 27 ) . ( 2 ) سورة الجاثية ، الآية ( 13 ) . ( 3 ) سورة المائدة ، الآية ( 73 ) .