أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
470
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
و ثَلاثَةٌ خبر مبتدأ مضمر ، والجملة من هذا المبتدأ والخبر في محل نصب بالقول أي : ولا تقولوا : « آلهتنا ثلاثة » يدلّ عليه قوله بعد ذلك : « إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ » وقيل : تقديره : الأقانيم ثلاثة أو المعبود ثلاثة . وقال الفارسي : « تقديره : اللّه ثالث ثلاثة ، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، يريد بذلك موافقة قوله : « لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ » . وقوله : انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ نصب « خَيْراً » هنا كنصبه فيما تقدم « 1 » في جميع وجوهه ونسبته إلى قائليه . و « أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ » تقديره : من أن يكون ، أو : عن أن يكون ، لأنّ معنى « سبحان » التنزيه ، فكأنه قيل : نزّهوه عن أن يكون ، أو من أن يكون له ولد ، فيجيء في محل « أن » الوجهان المشهوران . و « واحِدٌ » نعت على سبيل التوكيد ، وظاهر كلام مكي أنه نعت لا على سبيل التوكيد ، فإنه قال : « واللّه » مبتدأ ، و « إِلهٌ » خبره ، و « واحِدٌ » نعت تقديره : اللّه منفرد في إلهيّته » . وقيل : « واحِدٌ » تأكيد بمنزلة لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ « 2 » ، ويجوز أن يكون « إِلهٌ » بدلا من « اللَّهِ » ، و « واحِدٌ » خبره ، تقديره : إنما المعبود واحد . وقوله : « أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ » تقدم نظيره « 3 » . وقرأ الحسن : « إن يكون » بكسر الهمزة ورفع « يكون » على أن « إن » نافية أي : ما يكون له ولد ، فعلى قراءته يكون هذا الكلام جملتين ، وعلى قراءة العامة يكون جملة واحدة . قوله تعالى : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً : قرأ عليّ : « عبيدا » على التصغير وهو مناسب للمقام . وقوله : وَلَا الْمَلائِكَةُ عطف على « الْمَسِيحُ » أي : ولن يستنكف الملائكة أن يكونوا عبيدا للّه . وقال الشيخ « 4 » : ما نصّه : « وفي الكلام حذف ، التقدير : ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدا للّه ، فإن ضمّن « عَبْداً » معنى « ملكا للّه » لم يحتج إلى هذا التقدير ، ويكون إذ ذاك « وَلَا الْمَلائِكَةُ » من باب عطف المفردات ، بخلاف ما إذا لحظ في « عبد » معنى الوحدة ، فإن قوله : « وَلَا الْمَلائِكَةُ » يكون من عطف الجمل لاختلاف الخبر ، وإن لحظ في قوله : « وَلَا الْمَلائِكَةُ » معنى : « ولا كل واحد من الملائكة » كان من باب عطف المفردات » . وقال : « فإن قلت : علام عطف و « الْمَلائِكَةُ » ؟ قلت : إمّا أن يعطف على « الْمَسِيحُ » أو اسم « يَكُونَ » أو على المستتر في « عَبْداً » لما فيه من معنى الوصف لدلالته على العبادة ، وقولك : « مررت برجل عبد أبوه » فالعطف على المسيح هو الظاهر لأداء غيره إلى ما فيه بعض انحراف عن الغرض ، وهو أن المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا من فوقه موصوفين بالعبودية أو أن يعبد اللّه هو ومن فوقه » . قال الشيخ « 5 » : « والانحراف عن الغرض الذي أشار إليه كون الاستنكاف يكون مختصا بالمسيح والمعنى التام إشراك الملائكة مع المسيح في انتفاء الاستنكاف عن العبودية ، ويظهر أيضا مرجوحية الوجهين من جهة دخول « لا » إذ لو أريد العطف على الضمير في « يَكُونَ » أو في « عَبْداً » لم تدخل « لَا » ، بل كان يكون التركيب بدونها ، تقول : « ما يريد زيد أن يكون هو وأبوه قائمين » و « ما يريد زيد أن يصطلح هو وعمرو » فهذان التركيبان ليسا من مظنّة دخول [ لا ] وإن وجد منه شيء أوّل » . انتهى . فتحصّل في رفع « الْمَلائِكَةُ » ثلاثة أوجه : أوجهها الأول .
--> ( 1 ) في الآية ( 170 ) . ( 2 ) سورة النحل ، الآية ( 51 ) . ( 3 ) سورة آل عمران ، الآية ( 47 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 402 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 404 ) .