أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
468
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقوله تعالى : إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ : فيه قولان : أحدهما : أنه استثناء متصل لأنّ المراد بالطريق الأول العموم فالثاني من جنسه . والثاني : أنه منقطع إن أريد بالطريق شيء مخصوص وهو العمل الصالح الذي يتوصّلون به إلى الجنة . و « خالِدِينَ » حال مقدّرة . وقوله تعالى : بِالْحَقِّ : فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق بمحذوف ، والباء للحال أي : جاءكم الرسول ملتبسا بالحق أو متكلما به . والثاني : أنه متعلق بنفس « جاءَكُمُ » أي : جاءكم بسبب إقامة الحق . و « مِنْ رَبِّكُمْ » فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال أيضا من « الحق » . والثاني : أنه متعلق ب « جاء » أي : جاء من عند اللّه أي : أنه مبعوث لا متقوّل . قوله : خَيْراً لَكُمْ في نصبه أربعة أوجه : أحدها : - وهو مذهب الخليل وسيبويه « 1 » - أنه منصوب بفعل محذوف واجب الإضمار تقديره : وأتوا خيرا لكم ، لأنه لمّا أمرهم بالإيمان فهو يريد إخراجهم من أمر وإدخالهم فيما هو خير منه ، ولم يذكر الزمخشري غيره قال : « وذلك أنه لمّا بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر فقال : خيرا لكم ، أي : اقصدوا وأتوا أمرا خيرا لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث » . الثاني : - وهو مذهب الفراء - أنه نعت لمصدر محذوف أي : فآمنوا إيمانا خيرا لكم . وفيه نظر ، من حيث أنه يفهم أنّ الإيمان منقسم إلى خير وغيره ، وإلّا لم يكن لتقييده بالصفة فائدة ، وقد يقال : إنه قد يكون لا يقول بمفهوم الصفة ، وأيضا فإن الصفة قد تأتي للتأكيد وغير ذلك . والثالث : - وهو مذهب الكسائي وأبي عبيد - أنه منصوب على خبر « كان » المضمرة تقديره : يكن الإيمان خيرا . وقد ردّ بعضهم هذا المذهب بأن « كان » لا تحذف مع اسمها دون خبرها إلا فيما لا بد له منه ، ويزيد ذلك ضعفا أنّ « يكن » المقدرة جواب شرط محذوف فيصير المحذوف الشرط وجوابه ، يعني أنّ التقدير : إن تؤمنوا يكن الإيمان خيرا ، فحذفت الشرط وهو « إن تؤمنوا » وجوابه ، وهو « يكن الإيمان » ، وأبقيت معمول الجواب وهو « خَيْراً » ، وقد يقال : إنه لا يحتاج إلى إضمار شرط صناعي وإن كان المعنى عليه ، لأنّا ندّعي أن الجزم الذي في « يكن » المقدرة إنما هو بنفس جملة الأمر التي قبله وهو قوله : « فَآمِنُوا » من غير تقدير حرف شرط ولا فعل له ، وهو الصحيح في الأجوبة الواقعة لأحد الأشياء السبعة ، تقول : « قم أكرمك » ف « أكرمك » جواب مجزوم بنفس « قم » لتضمّن هذا
--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 143 ) .