أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
467
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
جعلناه خبرا ، ولا يجوز أن يتعلق على اللّه ب « حُجَّةٌ » ، وإن كان المعنى عليه ؛ لأنّ معمول المصدر لا يتقدّم عليه . و « بَعْدَ الرُّسُلِ » متعلق ب « حُجَّةٌ » ، ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنه صفة ل « حُجَّةٌ » لأنّ ظروف [ الزمان ] توصف بها الأحداث كما يخبر بها عنها نحو : « القتال يوم الجمعة » . قوله تعالى : لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ : هذه الجملة الاستدراكية لا يبتدأ بها ، فلا بد من جملة محذوفة ، وتكون هذه الجملة مستدركة عنها ، والجملة المحذوفة هي ما روي في سبب النزول أنه لمّا نزلت : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ « 1 » قالوا : ما نشهد لك بهذا أبدا ، فنزلت : « لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ » . وقد أحسن الزمخشري هنا في تقدير جملة غير ما ذكرت ، وهو : « فإن قلت : الاستدراك لا بدّ له من مستدرك ، فأين هو في قوله : « لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ » ؟ قلت : لمّا سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من السماء وتعنّتوا بذلك ، واحتجّ عليهم بقوله : إنّا أوحينا إليك » قال : « لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ » بمعنى أنهم لا يشهدون لكن اللّه يشهد » ثم ذكر الوجه الأول . وقرأ الجمهور بتخفيف « لكِنِ » ورفع الجلالة . والسّلمي والجراح الحكمي بتشديدها ونصب الجلالة ، وهما كالقراءتين في وَلكِنَّ الشَّياطِينَ وقد تقدّم حكمه . والجمهور على « أَنْزَلَهُ » مبنيا للفاعل وهو اللّه تعالى ، والحسن قرأه « أنزل » مبنيا للمفعول ، وقرأ السلمي « نزّله بعلمه » مشددا . والباء في « بِعِلْمِهِ » للمصاحبة أي : ملتبسا بعلمه ، فالجار والمجرور في محل نصب على الحال . وفي صاحبها وجهان ، أحدهما : الهاء في « أَنْزَلَهُ » . والثاني : الفاعل في « أَنْزَلَهُ » أي : أنزله عالما به . و « الْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ » مبتدأ وخبر ، يجوز أن تكون حالا أيضا من المفعول في « أَنْزَلَهُ » أي : والملائكة يشهدون بصدقه ، ويجوز ألّا يكون لها محل ، وحكمه حينئذ كحكم الجملة الاستدراكية قبله . وقد تقدّم الكلام على مثل قوله : وَكَفى بِاللَّهِ « 2 » ، وعلى قوله : لِيَغْفِرَ لَهُمْ وأن الفعل مع هذه اللام أبلغ منه دونها . والجمهور على « وَصَدُّوا » مبنيا للفاعل ، وقرأ عكرمة وابن هرمز : « وصدّوا » مبنيا للمفعول ، وهما واضحتان ، وقد قرىء بهما في المتواتر في قوله : وَصَدُّوا « 3 » في الرعد ، و صُدَّ عَنِ السَّبِيلِ « 4 » في غافر . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 169 إلى 173 ] إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 169 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 170 ) يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً ( 171 ) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ( 172 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 173 )
--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية ( 163 ) . ( 2 ) سورة النساء ، الآية ( 6 ) . ( 3 ) سورة الرعد ، الآية ( 33 ) . ( 4 ) سورة غافر ، الآية ( 37 ) .