أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
466
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : - وإليه ذهب ابن عطية - أنه ارتفع على خبر ابتداء مضمر أي : وهم رسل ، وهذا غير واضح . والجملة بعد « رسل » على هذا الوجه تكون في محلّ رفع لوقوعها صفة للنكرة قبلها . قوله : وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ كالأول . وقوله : « وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى » الجمهور على رفع الجلالة ، وهي واضحة . و « تَكْلِيماً » مصدر مؤكد رافع للمجاز ، وهي مسألة يبحث فيها الأصوليون ، تحتمل كلاما كثيرا ليس هذا موضعه ، على أنه قد جاء التأكيد بالمصدر في ترشيح المجاز كقول هند بنت النعمان بن بشير في زوجها روح بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان : 1688 - بكى الخزّ من روح وأنكر جلده * وعجّت عجيجا من جذام المطارف « 1 » تقول : إنّ زوجها روحا قد بكى ثياب الخزّ من لبسه ، لأنه ليس من أهل الخز ، وكذلك صرخت صراخا من جذام - وهي قبيلة روح - ثياب المطارف ، تعني أنهم ليسوا من أهل تلك الثياب ، فقولها : « عجّت المطارف » مجاز لأن الثياب لا تعجّ ، ثم رشّحته بقولها عجيجا . وقال ثعلب : « لولا التأكيد بالمصدر لجاز أن يكون كما تقول : « كلّمت لك فلانا » أي : أرسلت إليه ، أو كتبت له رقعة . وقرأ يحيى بن وثاب والنخعي : « وكلّم اللّه موسى » بنصب الجلالة ، وهي واضحة أيضا . قوله تعالى : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ : فيه أربعة أوجه : أحدها : أنه بدل من « رُسُلًا » الأول في قراءة الجمهور ، وعبّر الزمخشري عن هذا بنصبه على التكرير ، كذا فهم عنه الشيخ « 2 » . الثاني : أنه منصوب على الحال الموطئة ، كقولك : « مررت بزيد رجلا صالحا » ، ومعنى الموطئة أي : إنّها ليست مقصودة ، إنما المقصود صفتها ، ألا ترى أن الرجولية مفهومة من قولك « بزيد » وإنما المقصود وصفه بالصلاحية . الثالث : أنه نصب بإضمار فعل أي : أرسلنا رسلا . الرابع : أنه منصوب على المدح ، قدّره أبو البقاء ب « أعني » ، وكان ينبغي أن يقدّره فعلا دالا على المدح نحو : « أمدح » ، وقد رجّح الزمخشري هذا الأخير فقال : « والأوجه أن ينتصب « رُسُلًا » على المدح » . : لِئَلَّا هذه لام كي ، وتتعلّق ب « مُنْذِرِينَ » على المختار عند البصريين ، وب « مُبَشِّرِينَ » على المختار عند الكوفيين ، فإن المسألة من التنازع ، ولو كان من إعمال الأول لأضمر في الثاني من غير حذف فكان يقال : مبشّرين ومنذرين له لئلا ، ولم يقل كذلك فدلّ على مذهب البصريين ، وله في القرآن نظائر تقدّم منها جملة صالحة . وقيل : اللام تتعلق بمحذوف أي : أرسلناهم لذلك . و « حُجَّةٌ » اسم « كان » ، وفي الخبر وجهان : أحدهما : هو « عَلَى اللَّهِ » و « لِلنَّاسِ » حال . والثاني : أن الخبر « لِلنَّاسِ » و « عَلَى اللَّهِ » حال ، ويجوز أن يتعلق كلّ من الجارّ والمجرور بما تعلّق به الآخر إذا
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 399 ) .