أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
465
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أنه جمع « زبور » في قراءة العامة ، ولكنه على حذف الزوائد ، يعني حذفت الواو منه فصار اللفظ : زبر ، وهذا التخريج الثاني لأبي عليّ ، قال أبو علي : « كما قالوا : ظريف وظروف ، وكروان وكروان ، وورشان « 1 » وورشان على تقدير حذف الياء والألف » ، وهذا لا بأس به ، فإنّ التكسير والتصغير يجريان غالبا مجرى واحدا ، وقد رأيناهم يصغّرون بحذف الزوائد نحو : « زهير وحميد » في أزهر ومحمود ، ويسميه النحويون « تصغير الترخيم » ، فكذلك التكسير . الثالث : أنه اسم مفرد وهو مصدر جاء على فعول كالدّخول والقعود والجلوس ، قاله أبو البقاء وغيره . وفيه نظر من حيث إن الفعول يكون مصدرا للازم ، ولا يكون للمتعدي إلا في ألفاظ محفوظة نحو : اللّزوم والنّهوك ، وزبر - كما ترى - متعد ، فيضعف جعل الفعول مصدرا له ، وقد تقدم معنى هذه المادة . قوله تعالى : وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ : الجمهور على نصب « رُسُلًا » وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه منصوب على الاشتغال لوجود شروطه ، أي : وقصصنا رسلا ، والمعنى على حذف مضاف أي : قصصنا أخبارهم ، فيكون « قَدْ قَصَصْناهُمْ » لا محلّ له لأنه مفسر لذلك العامل المضمر ، ويقوّي هذا الوجه قراءة أبي : « ورسل » بالرفع في الموضعين ، والنصب هنا أرجح من الرفع ؛ لأن العطف على جملة فعلية وهي : « وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً » . الثاني : أنه منصوب عطفا على معنى « أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ » . أي : أرسلنا ونبّأنا نوحا ورسلا ، وعلى هذا فيكون « قَدْ قَصَصْناهُمْ » في محل نصب لأنه صفة ل « رُسُلًا » . الثالث : أنه منصوب بإضمار فعل أي : وأرسلنا رسلا ، وذلك أنّ الآية نزلت رادّة على اليهود في إنكارهم إرسال الرسل وإنزال الوحي ، كما حكى اللّه عنهم في قوله : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ « 2 » والجملة أيضا في محل الصفة . وقرأ أبي : « ورسل » بالرفع في الموضعين ، وفيه تخريجان : أظهرهما : أنه مبتدأ وما بعده خبره ، وجاز الابتداء هنا بالنكرة لأحد شيئين : إمّا العطف كقوله : 1685 - عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي * فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا « 3 » وإما التفصيل كقوله : 1686 - فأقبلت زحفا على الرّكبتين * فثوب لبست وثوب أجرّ « 4 » وكقوله : 1687 - إذا ما بكى من خلفها انصرفت له * بشقّ وشقّ عندنا لم يحوّل « 5 »
--> ( 1 ) الورشان : طائر يشبه الحمام ، والأنثى ورشانة . اللسان : ورش . ( 2 ) سورة الأنعام ، الآية ( 91 ) . ( 3 ) انظر البيت في المغني ( 2 / 468 ) . ( 4 ) البيت لأمرىء القيس انظر ديوانه ( 70 ) ، الكتاب ( 1 / 86 ) ، المحتسب ( 2 / 142 ) ، المغني ( 524 ) . ( 5 ) تقدم .