أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
464
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله تعالى : كَما أَوْحَيْنا : الكاف نعت لمصدر محذوف أي : إيحاء مثل إيحائنا ، أو على أنه حال من ذلك المصدر المحذوف المقدّر معرفا أي : أوحيناه أي : الإيحاء حال كونه مشبها لإيحائنا إلى من ذكر . وهذا مذهب سيبويه « 1 » وقد تقدّم تحقيقه . و « ما » تحتمل وجهين : أن تكون مصدرية فلا تفتقر إلى عائد على الصحيح . وأن تكون بمعنى الذي ، فيكون العائد محذوفا أي : كالذي أوحيناه إلى نوح . و « مِنْ بَعْدِهِ » متعلق ب « أَوْحَيْنا » ، ولا يجوز أن تكون « مِنْ » للتبيين ، لأنّ الحال خبر في المعنى ، ولا يخبر بظرف الزمان عن الجثة إلا بتأويل ليس هذا محلّه . وأجاز أبو البقاء أن يتعلق بنفس « النَّبِيِّينَ » ، يعني أنه في معنى الفعل كأنه قيل : « والذين تنبّؤوا من بعده » وهو معنى حسن . وفي « يُونُسَ » ست لغات « 2 » أفصحها : واو خالصة ونون مضمومة ، وهي لغة الحجاز ، وحكي كسر النون بعد الواو ، وبها قرأ نافع في رواية حبان ، وحكي أيضا فتحها مع الواو ، وبها قرأ النخعي وهي لغة لبعض عقيل ، وهاتان القراءتان جعلهما بعضهم منقولتين من الفعل المبني للفاعل أو للمفعول ، جعل هذا الاسم مشتقا من الأنس ، وإنما أبدلت الهمزة واوا لسكونها وانضمام ما قبلها ، ويدلّ على ذلك مجيئه بالهمزة على الأصل في بعض اللغات كما سيأتي ، وفيه نظر ، لأنّ هذا الاسم أعجمي ، وحكي تثليث النون مع همز الواو ، كأنهم قلبوا الواو همزة لانضمام ما قبلها نحو : 1684 - أحبّ المؤقدين إليّ موسى * . . . « 3 » وقد تقدّم تقريره ، وحكي أنّ ضمّ النون مع الهمز لغة بعض بني أسد ، إلا أني لا أعلم أنه قرىء بشيء من لغات الهمز « 4 » . هذا إذا قلنا : إن هذا الاسم ليس منقولا من فعل مبني للفاعل أو للمفعول حالة كسر النون أو فتحها ، أمّا إذا قلنا بذلك فالهمزة أصلية غير منقلبة من واو لأنه مشتق من الأنس ، وأمّا مع ضمّ النون فينبغي أن يقال بأن الهمزة بدل من الواو لانتفاء الفعلية مع ضم النون . قوله : زَبُوراً قراءة الجمهور بفتح الزاي ، وحمزة بضمها ، وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه جمع « زبر » قال الزمخشري : « جمع « زبر » ، وهو الكتاب ، ولم يذكر غيره ، يعني أنه في الأصل مصدر على فعل ، ثم جمع على فعول نحو : فلس وفلوس ، وقلس « 4 » وقلوس ، وهذا القول سبقه إليه أبو علي الفارسي في أحد التخريجين عنه . قال أبو علي : « ويحتمل أن يكون جمع زبر وقع على المزبور ، كما قالوا : ضرب الأمير ونسج اليمن ، كما سمّي المكتوب كتابا » يعني أبو علي أنه مصدر واقع موقع المفعول به كما مثّله .
--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 116 ) . ( 2 ) انظر البحر ( 3 / 397 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) قلس : القلس : أن يبلغ الطعام إلى الحلق ، ملء الحلق أو - - دونه ثم يرجع إلى الجوف ، وقيل : هو القيء ، وقيل هو القذف بالطعام وغيره ، وقيل : هو ما يخرج إلى الفم من الطعام والشراب . والجمع : أقلاس . اللسان : قلس .