أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

46

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 19 ] إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 19 ) قوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ : قرأ الكسائي بفتح الهمزة والباقون بكسرها . فأمّا قراءة الجماعة فعلى الاستئناف ، وهي مؤكدة للجملة الأولى . قال الزمخشري : « فإن قلت : ما فائدة هذا التوكيد ؟ قلت : فائدته أنّ قوله : « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » توحيد ، وقوله : « قائِماً بِالْقِسْطِ » تعديل ، فإذا أردفه قوله : « إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ » فقد آذن أن الإسلام هو العدل والتوحيد ، وهو الدين عند اللّه ، وما عداه فليس في شيء من الدين عنده » . وأمّا قراءة الكسائي ففيها أوجه : أحدها : أنها بدل من « أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » على قراءة الجمهور أنه لا إله إلا هو ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه من بدل الشيء من الشيء ، وذلك أنّ الدين الذي هو الإسلام يتضمّن العدل والتوحيد وهو هو في المعنى . والثاني : أنه بدل اشتمال لأنّ الإسلام يشتمل على التوحيد والعدل . الثاني من الأوجه السابقة أن يكون « أن الدين » بدلا من قوله « قائِماً بِالْقِسْطِ » ثم لك اعتباران : أحدهما : أن تجعله بدلا من لفظه فيكون محلّ « أن الدين » الجرّ . والثاني : أن تجعله بدلا من موضعه فيكون محلّها نصبا . وهذا الثاني لا حاجة إليه وإن كان أبو البقاء ذكره ، وإنما صحّ البدل في المعنى ؛ لأنّ الدين الذي هو الإسلام قسط وعدل ، فيكون أيضا من بدل الشيء من الشيء ، وهما لعين واحدة . ويجوز أن يكون بدل اشتمال لأنّ الدين مشتمل على القسط وهو العدل . وهذه التخاريج لأبي علي الفارسي ، وتبعه الزمخشري في بعضها . قال الشيخ « 1 » : « وأبو علي معتزلي فلذلك يشتمل كلامه على لفظ المعتزلة من العدل والتوحيد » قلت : ومن يرغب عن التوحيد والعدل من أهل السنة حتى يخصّ به المعتزلة ؟ وإنما رأى في كلام الزمخشري هذه الألفاظ كثيرا ، وهو عنده معتزليّ ، فمن تكلّم بالتوحيد والعدل كان عنده معتزليا . ثم قال : « وعلى البدل من « أنه » خرّجه هو وغيره ، وليس بجيد لأنه يؤدّي إلى تركيب بعيد أن يأتي مثله في كلام العرب وهو : « عرف زيد أنه لا شجاع إلا هو وبنو دارم ملاقيا للحروب لا شجاع إلا هو البطل الحامي أنّ الخصلة الحميدة هي البسالة » وتقريب هذا المثال : « ضرب زيد عائشة والعمران حنقا أختك » فحنقا حال من زيد ، وأختك بدل من عائشة ، ففصل بين البدل والمبدل منه بالعطف ، وهو لا يجوز ، وبالحال لغير المبدل منه ، وهو لا يجوز ، لأنه فصل بأجنبي بين المبدل منه والبدل » انتهى . قوله : « عرف زيد » هو نظير : « شَهِدَ اللَّهُ » وقوله : « أنه لا شجاع إلا هو « نظير » أنه لا إله إلا هو » . وقوله : « وبنو دارم » نظير قوله : « وَالْمَلائِكَةُ » وقوله : « ملاقيا للحروب » نظير قوله : « قائِماً بِالْقِسْطِ » ، وقوله : « لا شجاع إلا هو » نظير قوله : « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » فجاء به مكررا كما في الآية ، وقوله : « البطل الحامي » نظير قوله : « الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » وقوله : « أن الخصلة

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 408 .