أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

47

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الحميدة هي البسالة » نظير قوله : « إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ » ولا يظهر لي منع ذلك ولا عدم صحة تركيبه حتى يقول « ليس بجيد » وبعيد أن يأتي عن العرب مثله » . وما ادّعاه بقوله في المثال الثاني أنّ فيه الفصل بأجنبي فيه نظر ، إذ هذه الجمل صارت كلّها كالجملة الواحدة لما اشتملت عليه من تقوية كلمات بعضها ببعض ، وأبو عليّ وأبو القاسم وغيرهما لم يكونوا في محلّ من يجهل صحة تركيب بعض الكلام وفساده . ثم قال الشيخ : « قال الزمخشري : وقرئا مفتوحين على أنّ الثاني بدل من الأول كأنه قيل : شهد اللّه بأنّ الدين عند اللّه الإسلام ، والبدل هو المبدل منه في المعنى ، فكان بيانا صريحا لأنّ دين الإسلام هو التوحيد والعدل » . قال : « فهذا نقل كلام أبي عليّ دون استيفاء » . الثالث من الأوجه : أن يكون « إِنَّ الدِّينَ » معطوفا على « أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » ، حذف منه حرف العطف ، قال ابن جرير ، وضعّفه ابن عطيّة ، ولم يبيّن وجه ضعفه . قال الشيخ « 1 » : « وجه ضعفه أنه متنافر التركيب مع إضمار حرف العطف ، فيفصل بين المتعاطفين المرفوعين بالمنصوب المفعول ، وبين المتعاطفين المنصوبين بالمرفوع وبجملتي الاعتراض ، وصار في التركيب نظر قولك : « أكل زيد خبزا وعمرو سمكا » يعني ففصلت بين « زيد » وبين « عمر » ب « خبزا » ، وفصلت بين « خبزا » وبين « سمكا » بعمرو ، إذ الأصل قبل الفصل : « أكل زيد وعمر وخبزا وسمكا » . الرابع : أن يكون معمولا لقوله : « شَهِدَ اللَّهُ » أي : شهد اللّه بأنّ الدين ، فلمّا حذف الحرف جاز أن يحكم على موضعه بالنصب أو بالجرّ . فإن قلت : إنما يتجه هذا التخريج على قراءة ابن عباس ، وهي كسر إنّ الأولى ، وتكون حينئذ الجملة اعتراضا بين « شَهِدَ » وبين معموله كما قدّمته ، وأمّا على قراءة فتح « أن » الأولى ، وهي قراءة العامة فلا يتجه ما ذكرته من التخريج ، لأن الأولى معمولة له استغنى بها . فالجواب : أنّ ذلك متجه أيضا مع فتح الأولى وهو أن تجعل الأولى على حذف لام العلة ، تقديره : شهد اللّه أنّ الدين عند اللّه الإسلام أنه لا آله إلا هو ، وكان يحيك في نفسي هذا التخريج مدة ، ولم أرهم ذكروه حتى رأيت الواحديّ ذكره ، وقال : « وهذا معنى قول الفراء حيث يقول في الاحتجاج للكسائي : « إن شئت جعلت « أَنَّهُ » على الشرط ، وجعلت الشهادة واقعة على قوله : « إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ » وتكون « أنّ » الأولى يصلح فيها الخفض كقولك : « شهد اللّه لوحدانيته أنّ الدين عند اللّه الإسلام » وهو كلام مشكل في نفسه ، ومعنى قوله : « على شرط » أي : العلة ، سمّى العلة شرطا لأنّ المشروط متوقف عليه كتوقّف المعلول على علته ، فهو علّة ، إلا أنه خلاف اصطلاح النحويين . ثم اعترض الواحديّ على أن هذا التخريج بأنه لو كان كذلك لم يحسن إعادة اسم اللّه ولكان التركيب « إنّ الدين عنده الإسلام » ، لأن الاسم قد سبق فالوجه الكناية ، ثم أجاب بأنّ العرب ربما أعادت الاسم موضع الكناية وأنشد : 1210 - لا أرى الموت يسبق الموت شيء * نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا ( 2 ) يعني أنه من باب إيقاع الظاهر موقع المضمر ، ويزيده هنا حسنا أنه في موضع تعظيم وتفخيم . الخامس : أن تكون على حذف حرف الجر معمولة للفظ « الْحَكِيمُ » كأنه قيل : الحكيم بأن ، أي : الحاكم بأن ،

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 408 .