أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
457
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ويجوز عطفه على ما يليه من قوله « بِكُفْرِهِمْ » . فإن قلت : فما معنى المجيء بالكفر معطوفا على ما فيه ذكره ؟ سواء عطف على ما قبل الإضراب ، أو على ما بعده ، وهو قوله : « وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ » وقوله « بِكُفْرِهِمْ » . قلت : قد تكرر منهم الكفر ؛ لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد ، فعطف بعض كفرهم على بعض ، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه ، كأنه قيل : فبجمعهم بين نقض الميثاق ، والكفر بآيات اللّه ، وقتل الأنبياء ، وقولهم : قلوبنا غلف ، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم بقتل عيسى عاقبناهم ، أو بل طبع اللّه عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم كذا وكذا » . قوله : بُهْتاناً في نصبه خمسة أوجه : أظهرها : أنه مفعول به ، فإنه مضمّن معنى « كلام » نحو : قلت خطبة وشعرا . الثاني : أنه منصوب على نوع المصدر كقولهم : « قعد القرفصاء » يعني أن القول يكون بهتانا وغير بهتان . الثالث : أن ينتصب نعتا لمصدر محذوف أي : قولا بهتانا ، وهو قريب من معنى الأول . الرابع : أنه منصوب بفعل مقدر من لفظه أي : بهتوا بهتانا . الخامس : أنه حال من الضمير المجرور في قولهم أي : مباهتين ، وجاز مجيء الحال من المضاف إليه لأنه فاعل معنى ، والتقدير : وبأن قالوا ذلك مباهتين . قوله تعالى : وَقَوْلِهِمْ : عطف على « وكفرهم » و « عِيسَى » بدل من « الْمَسِيحَ » أو عطف بيان ، وكذلك « ابْنَ مَرْيَمَ » ، ويجوز أن يكون صفة أيضا ، وأجاز أبو البقاء في « رَسُولَ اللَّهِ » هذه الأوجه الثلاثة ، إلّا أنّ البدل بالمشتقات قليل . وقد يقال : إنّ « رَسُولَ اللَّهِ » جرى مجرى الجوامد وأجاز فيه أن ينتصب بإضمار « أعني » ، ولا حاجة إليه . قوله « شُبِّهَ لَهُمْ » : « شُبِّهَ » مبني للمفعول وفيه وجهان : أحدهما : أنه مسند للجار بعده كقولك : « حيل إليه ، ولبس عليه » . والثاني : أنه مسند لضمير المقتول الذي دلّ عليه قولهم : « إِنَّا قَتَلْنَا » أي : ولكن شبّه لهم من قتلوه . فإن قيل : لم لا يجوز أن يعود على المسيح ؟ فالجواب أن المسيح مشبه به لا مشبه . قوله : لَفِي شَكٍّ مِنْهُ : « مِنْهُ » في محلّ جر صفة ل « شَكٍّ » يتعلّق بمحذوف ، ولا يجوز أن تتعلّق فضلة بنفس « شَكٍّ » ؛ لأن الشك إنما يتعدّى ب « في » لا ب « من » ، ولا يقال : إنّ « مِنْ » بمعنى « في » فإن ذلك قول مرجوح ، ولا ضرورة لنا به هنا . وقوله : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ يجوز في « مِنْ عِلْمٍ » وجهان : أحدهما : أنه مرفوع بالفاعلية والعامل أحد الجارّين : إمّا « لَهُمْ » وإما « بِهِ » ، وإذا جعل أحدهما رافعا له تعلّق الآخر بما تعلّق به الرافع من الاستقرار المقدر . و « مِنْ » زائدة لوجود شرطي الزيادة . والوجه الثاني : أن يكون « مِنْ عِلْمٍ » مبتدأ زيدت فيه « مِنْ » أيضا ، وفي الخبر احتمالان ، أحدهما : أن يكون