أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

458

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« لَهُمْ » فيكون « بِهِ » : إمّا حالا من الضمير المستكنّ في الخبر ، والعامل فيها الاستقرار المقدر ، وإمّا حالا من « عِلْمٍ » وإن كان نكرة لتقدّمها عليه ولاعتماده على نفي . فإن قيل : يلزم تقدّم حال المجرور بالحرف عليه وهو ضرورة لا يجوز في سعة الكلام . فالجواب أنّا لا نسلّم ذلك ، بل نقل أبو البقاء وغيره أنّ مذهب أكثر البصريين جواز ذلك ، ولئن سلّمنا أنه لا يجوز إلا ضرورة لكن المجرور هنا مجرور بحرف جر زائد ، والزائد في حكم المطّرح ، وأمّا أن يتعلّق بمحذوف على سبيل البيان أي : أعني به ، ذكره أبو البقاء ، ولا حاجة إليه ، ولا يجوز أن يتعلق بنفس « عِلْمٍ » لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه . والاحتمال الثاني : أن يكون « بِهِ » هو الخبر ، و « لَهُمْ » متعلق بالاستقرار كما تقدم ، ويجوز أن تكون اللام مبيّنة مخصصة كالتي في قوله : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ « 1 » . وهذه الجملة المنفية تحتمل ثلاثة أوجه : الجر على أنها صفة ثانية ل « شَكٍّ » أي : غير معلوم . الثاني : النصب على الحال من « شَكٍّ » ، وجاز ذلك وإن كان نكرة لتخصّصه بالوصف بقوله « مِنْهُ » . الثالث : الاستئناف ، ذكره أبو البقاء ، وهو بعيد . قوله : إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ في هذا الاستثناء قولان : أحدهما : وهو الصحيح الذي لم يذكر الجمهور غيره أنه منقطع ؛ لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم ، ولم يقرأ فيما علمت إلا بنصب « اتِّباعَ » على أصل الاستثناء المنقطع ، وهي لغة الحجاز ، ويجوز في تميم الإبدال من « عِلْمٍ » لفظا فيجرّ ، أو على الموضع فيرفع لأنه مرفوع المحل كما قدّمته لك ، و « مِنْ » زائدة فيه . والثاني : - قاله ابن عطية - : أنه متصل قال : « إذ العلم والظن يضمهما جنس أنهما من معتقدات اليقين ، يقول الظانّ على طريق التجوّز : « علمي في هذا الأمر كذا » إنما يريد ظني » انتهى . وهذا غير موافق عليه لأن الظنّ ما ترجّح فيه أحد الطرفين ، واليقين ما جزم فيه بأحدهما ، وعلى تقدير التسليم فاتباع الظن ليس من جنس العلم ، بل هو غيره ، فهو منقطع أيضا أي : ولكنّ اتباع الظن حاصل لهم . قوله : وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً الضمير في « قَتَلُوهُ » فيه أقوال : أظهرها : أنه لعيسى ، وعليه جمهور المفسرين . والثاني : - وبه قال ابن قتيبة والفراء - أنه يعود على العلم أي : ما قتلوا العلم يقينا ، على حد قولهم : « قتلت العلم والرأي يقينا » و « قلته علما » ، ووجه المجاز فيه أن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء ، فكأنه قيل : وما كان علمهم علما أحيط به ، إنما كان عن ظن وتخمين . الثالث : - وبه قال ابن عباس والسدي وطائفة كبيرة - أنه يعود للظن تقول : « قتلت هذا الأمر علما ويقينا » أي : تحققت ، فكأنه قيل : وما صحّ ظنهم عندهم وما تحققوه يقينا ولا قطعوا الظن باليقين . قوله : يَقِيناً فيه خمسة أوجه :

--> ( 1 ) سورة الإخلاص ، الآية ( 4 ) .