أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
456
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
مثل هذا الكلام بليغ » وتسمية مثل هذا « جواب » غير معروف لغة وصناعة . وقدّره أبو البقاء : « فبما نقضهم ميثاقهم طبع على قلوبهم ، أو لعنوا . وقيل : تقديره : فبما نقضهم لا يؤمنون ، والفاء زائدة » . انتهى . وهذا الذي أجازه أبو البقاء تعرّض له الزمخشري وردّه فقال : « فإن قلت : فهلّا زعمت أنّ المحذوف الذي تعلّقت به الباء ما دل عليه قوله « بَلْ طَبَعَ اللَّهُ ، فيكون التقدير : فبما نقضهم طبع اللّه على قلوبهم ، بل طبع اللّه عليها بكفرهم ردّ وإنكار لقولهم : « قُلُوبُنا غُلْفٌ » فكان متعلقا به » . قال الشيخ « 1 » : « وهو جواب حسن ، ويمتنع من وجه آخر وهو أنّ العطف ب « بَلْ » للإضراب ، والإضراب إبطال أو انتقال ، وفي كتاب اللّه في الإخبار لا يكون إلا للانتقال ، ويستفاد من الجملة الثانية ما لا يستفاد من الأولى ، والذي قدّره الزمخشري لا يسوغ فيه الذي قررناه ، لأنّ قوله : « فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات اللّه وقولهم قلوبنا غلف طبع اللّه » هو مدلول الجملة التي صحبتها بَلْ » ، فأفادت الثانية ما أفادت الأولى ، ولو قلت : « مرّ زيد بعمرو ، بل مرّ زيد بعمرو » لم يجز » . وقدّره الزمخشري « فعلنا بهم ما فعلنا » . قوله : بَلْ طَبَعَ هذا إضراب عن الكلام المتقدم أي : ليس الأمر كما قالوا من قولهم : « قُلُوبُنا غُلْفٌ » . وأظهر القرّاء لام بل في « طَبَعَ » إلا الكسائي فأدغم من غير خلاف ، وعن حمزة خلاف . والباء في « بِكُفْرِهِمْ » يحتمل أن تكون للسببية ، وأن تكون للآلة كالباء في « طبعت بالطين على الكيس » يعني أنه جعل الكفر كالشئ المطبوع به أي مغطّيا عليها ، فيكون كالطابع . وقوله : « إِلَّا قَلِيلًا » يحتمل النصب على نعت مصدر محذوف أي : إلا إيمانا قليلا ، ويحتمل كونه نعتا لزمان محذوف أي : زمانا قليلا ، ولا يجوز أن يكون منصوبا على الاستثناء من فاعل « يُؤْمِنُونَ » أي : إلا قليلا منهم فإنهم يؤمنون ، لأنّ الضمير في « لا يؤمنون » عائد على المطبوع على قلوبهم ، ومن طبع على قلبه بالكفر فلا يقع منه الإيمان . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 156 إلى 159 ] وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً ( 156 ) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً ( 157 ) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( 158 ) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ( 159 ) قوله تعالى : وَبِكُفْرِهِمْ : فيه وجهان : أحدهما : أنه معطوف على « ما » في قوله : « فَبِما نَقْضِهِمْ » فيكون متعلقا بما تعلق به الأول . الثاني : أنه عطف على « بِكُفْرِهِمْ » الذي بعد « طَبَعَ » . وقد أوضح الزمخشري ذلك غاية الإيضاح ، واعترض وأجاب بأحسن جواب ، فقال : فإن قلت : علام عطف قوله « وَبِكُفْرِهِمْ » ؟ قلت : الوجه أن يعطف على « فَبِما نَقْضِهِمْ » ويجعل قوله : « بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ » كلاما يتبع قوله : « وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ » على وجه الاستطراد ،
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 389 ) .