أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
451
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يكون الجهر مأخوذا من فعل مبني للمفعول على خلاف في ذلك ، فيكون الجار بعده في محل رفع لقيامه مقام الفاعل ، لو قلت : لا يحب اللّه أن يجهر بالسوء ، كان « بِالسُّوءِ » قائما مقام الفاعل ولا تعلّق له حينئذ به . و « مِنَ الْقَوْلِ » حال من « السوء » . قوله : إِلَّا مَنْ ظُلِمَ في هذا الاستثناء قولان : أحدهما : أنه متصل . والثاني : أنه منقطع ، وإذا قيل بأنه متصل فقيل : هو مستثنى من « أحد » المقدر الذي هو فاعل للمصدر ، فيجوز أن تكون « مِنَ » في محلّ نصب على أصل الاستثناء أو رفع على البدل من « أحد » وهو المختار ، ولو صرّح به لقيل : لا يحبّ اللّه أن يجهر أحد بالسوء إلا المظلوم ، أو المظلوم رفعا ونصبا ، ذكر ذلك مكي وأبو البقاء وغيرهما . قال الشيخ « 1 » : « وهذا مذهب الفراء ، أجاز في « ما قام إلا زيد » أن يكون « زيد » بدلا من « أحد » ، وأمّا على مذهب الجمهور فإنه يكون من المستثنى الذي فرّغ له العامل فيكون مرفوعا على الفاعلية بالمصدر ، وحسّن ذلك كون الجهر في حيّز النفي ، كأنه قيل : لا يجهر بالسوء من القول إلا المظلوم » انتهى . والفرق ظاهر بين مذهب الفراء وبين هذه الآية ، فإن النحويين إنما لم يروا بمذهب الفراء قالوا : لأن المحذوف صار نسيا منسيا ، وأما فاعل المصدر هنا فإنه كالمنطوق به ليس منسيا ، فلا يلزم من تجويزهم الاستثناء من هذا الفاعل المقدر أن يكونوا تابعين لمذهب الفراء لما ظهر من الفرق . وقيل : هو مستثنى مفرغ ، فتكون « من » في محل رفع بالفاعلية كما تقدّم تقريره في كلام الشيخ ، والتفريغ لا يكون إلا في نفي أو شبهه ، ولكن لمّا وقع الجهر متعلقا للحبّ الواقع في حيّز النفي ساغ ذلك . وقيل : هو مستثنى من الجهر على حذف مضاف تقديره : إلا جهر من ظلم ، فهذه ثلاثة أوجه على تقدير كونه متصلا ، تحصّل منها في محل « من » أربعة أوجه : الرفع من وجهين وهما البدل من « أحد » المقدر ، أو الفاعلية على كونه مفرغا ، والنصب على أصل الاستثناء من « أحد » المقدّر أو من الجهر على حذف مضاف . والثاني : أنه استثناء منقطع ، تقديره : لكن من ظلم له أن ينتصف من ظالمه بما يوازي ظلامته فتكون « من » في محل نصب فقط على الاستثناء المنقطع . والجمهور على « إِلَّا مَنْ ظُلِمَ » مبنيا للمفعول ، وقرأ جماعة كثيرة منهم ابن عباس وابن عمر وابن جبير والحسن : « ظُلِمَ » مبنيا للفاعل ، وهو استثناء منقطع ، فهو في محل نصب على أصل الاستثناء المنقطع ، واختلفت عبارات العلماء في تقدير هذا الاستثناء ، وحاصل ذلك يرجع إلى أحد تقديرات ثلاثة : إمّا أن يكون راجعا إلى الجملة الأولى كأنه قيل : لا يحب اللّه الجهر بالسوء ، لكنّ الظالم يحبه فهو يفعله . وإما أن يكون راجعا إلى فاعل الجهر أي : لا يحبّ اللّه أن يجهر أحد بالسوء ، لكن الظالم يجهر به . وإمّا أن يكون راجعا إلى متعلق الجهر وهو « من يجاهر ويواجه بالسوء » أي : لا يحب اللّه أن يجهر بالسوء لأحد لكن الظالم يجهر له به ، أي : يذكر ما فيه من المساوىء في وجهه ، لعله أن يرتدع . وكون هذا المستثنى في هذه
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 382 ) .