أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

452

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

القراءة منصوب المحل على الانقطاع هو الصحيح ، وأجاز ابن عطية والزمخشري أن يكون في محلّ رفع على البدلية ، ولكن اختلف مدركهما فقال ابن عطية : « وإعراب « من » يحتمل في بعض هذه التأويلات النصب ، ويحتمل الرفع على البدل من « أحد » المقدر » يعني أحدا المقدر في المصدر كما تقدّم تحقيقه . وقال الزمخشري : « ويجوز أن يكون « من » مرفوعا كأنه قيل : لا يحبّ اللّه الجهر بالسوء إلا الظالم ، على لغة من يقول : « ما جاءني زيد إلا عمرو » بمعنى : ما جاءني إلا عمرو ، ومنه لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ « 1 » . ورد الشيخ « 2 » عليهما فقال : « وما ذكره - يعني ابن عطية - من جواز الرفع على البدل لا يصحّ ، وذلك أن المنقطع قسمان : قسم يتوجه إليه العامل نحو : « ما فيها أحد إلا حمار » فهذا فيه لغتان : لغة الحجاز وجوب النصب ، ولغة تميم جواز البدل ، وإن لم يتوجه عليه العامل وجب نصبه عند الجميع نحو : « المال ما زاد إلا النقص » أي : لكن حصل له النقص ، ولا يجوز فيه البدل ، لأنك لو وجهت إليه العامل لم يصح » قال : « والآية من هذا القسم ، لأنك لو قلت : « لا يحبّ اللّه أن يجهر بالسوء إلا الظالم » - فتسلّط « يجهر » على « الظالم » . وقال : « وهذا الذي جوّزه - يعني الزمخشري - لا يجوز لأنه لا يمكن أن يكون الفاعل لغوا ولا يمكن أن يكون الظالم بدلا من « اللّه » ولا « عمرو » بدلا من « زيد » لأنّ البدل في هذا الباب يرجع إلى بدل بعض من كل حقيقة نحو : « ما قام القوم إلّا زيد » أو مجازا نحو : « ما فيها أحد إلا حمار » ، والآية لا يجوز فيها البدل حقيقة ولا مجازا ، وكذا المثال المذكور ، لأن اللّه تعالى علم وكذا زيد فلا عموم فيهما ليتوهّم دخول شيء فيهما فيستثنى ، وأمّا ما يجوز فيه البدل من الاستثناء المنقطع فلأنّ ما قبله عامّ يتوهّم دخوله فيه فيبدل ما قبله مجازا ، وأمّا قوله على لغة من يقول : « ما جاءني زيد إلا عمرو » فلا نعلم هذه لغة إلّا في كتاب سيبويه « 3 » بعد أن أنشد أبياتا في الاستثناء المنقطع آخرها : 1680 - عشيّة ما تغني الرّماح مكانها * ولا النّبل إلّا المشرفيّ المصمّم « 4 » ما نصّه : « وهذا يقوّي : « ما أتاني زيد إلّا عمرو ، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه » لأنها معارف ليست الأسماء الآخرة بها ولا بعضها » ولم يصرّح ولا لوّح أن « ما أتاني زيد إلا عمرو » من كلام العرب ، قال من شرح كلام سيبويه : « فهذا يقوّي « ما أتاني زيد إلا عمرو » أي : ينبغي أن يثبت هذا من كلام العرب لأن النبل معرفة ليس بالمشرفي ، كما أن زيدا ليس بعمرو ، كما إن إخوة زيد ليس إخوتك . قال الشيخ : « وليس ما أتاني زيد إلا عمرو » نظير البيت ؛ لأنّه قد يتخيّل عموم في البيت إذ المعنى : لا يغني السلاح ، وأمّا « زيد » فلا يتوهم فيه عموم على أنه لو ورد من كلامهم : « ما أتاني زيد إلا عمرو » لأمكن أن يصح على « ما أتاني زيد ولا غيره إلا عمرو » فحذف المعطوف لدلالة الاستثناء عليه ، أمّا أن يكون على إلغاء الفاعل أو على كون « عمرو » بدلا من « زيد » فإنه لا يجوز ، وأمّا الآية فليست ممّا ذكر ، لأنه يحتمل أن تكون « من » مفعولا بها ، و « الغيب » بدل منها بدل اشتمال ، والتقدير : لا يعلم غيب من في السماوات والأرض إلا اللّه أي : سرّهم وعلانيتهم لا يعلمهما إلا اللّه ، ولو سلّم أنّ « من » مرفوعة المحل فيتخيل فيها عموم

--> ( 1 ) سورة النمل ، الآية ( 65 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 383 ) . ( 3 ) انظر الكتاب ( 1 / 366 ) . ( 4 ) البيت للحصين بن الحمام انظر الكتاب ( 2 / 325 ) ، المفضّليات ( 65 ) ، الخزانة ( 2 / 7 ) ، العيني ( 3 / 109 ) ، الأشموني ( 2 / 147 ) . - - قال العيني : الضمير في « مكانها » للحرب ، يدل عليه لفظ الجهاد لأنه لا يكون إلا بمكان الحروب ، والنبل : السهام العربية لا واحد لها من لفظها ، بل الواحد سهم ، والمشرفي السيف المنسوب إلى مشارف الشام ، وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف ، والمصمم : الذي يمضي في العظم ويقطعه .