أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

45

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

العطف والبدل قدّم البدل على العطف ، لو قلت : « جاء زيد وعائشة أخوك » لم يجز ، إنما الكلام جاء زيد أخوك وعائشة » . فتحصّل في رفع « القائم » على هذه القراءة ثلاثة أوجه : النعت والبدل وخبر مبتدإ محذوف . ونقل عن عبد اللّه أيضا أنه قرأ : « قائم بالقسط » بالتنكير ، ورفعه من وجهي البدل وخبر المبتدأ . وقرأ أبو حنيفة : « قيّما » بالنصب على ما تقدّم . فهذه أربعة أوجه حرّرتها من كلام القوم . والظاهر أن رفع « الْمَلائِكَةُ » وما بعده عطف على الجلالة المعظمة . وقال بعضهم : « الكلام تمّ عند قوله : « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » وارتفع « الْمَلائِكَةُ » بفعل مضمر تقديره : وشهد الملائكة وأولو العلم بذلك » وكأنّ هذا الذاهب يرى أنّ شهادة اللّه مغايرة لشهادة الملائكة وأولي العلم ، ولا يجيز إعمال المشترك في معنييه فاحتاج من أجل ذلك إلى إضمار فعل يوافق هذا المنطوق لفظا ويخالفه معنى ، وهذا يجيء نظيره في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ « 1 » . قال الزمخشري : « فإن قلت : هل دخل قيامه بالقسط في حكم شهادة اللّه والملائكة وأولي العلم كما دخلت الوحدانية ؟ قلت : نعم إذا جعلته حالا من « هُوَ » أو نصبا على المدح منه ، أو صفة للمنفي ، كأنه قيل : شهد اللّه والملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو وأنه قائم بالقسط » . قوله : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ في هذه الجملة وجهان : أحدهما : أنها مكررة للتوكيد . قال الزمخشري : « فإن قلت : لم كرّر قوله « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » ؟ قلت : ذكره أولا للدلالة على اختصاصه بالوحدانية ، وأنه لا إله إلا تلك الذات المتميّزة ، ثم ذكره ثانيا بعد ما قرن بإثبات الوحدانية إثبات العدل للدلالة على اختصاصه بالأمرين ، كأنه قال : لا إله إلا هو الموصوف بالصفتين ، ولذلك قرن به قوله : الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لتضمّنها معنى الوحدانية والعدل » . وقال بعضهم : « ليس بتكرير ؛ لأنّ الأول شهادة اللّه تعالى وحده ، والثاني شهادة الملائكة وأولي العلم » ، وهذا كما تقدّم عند من يرفع « الْمَلائِكَةُ » بفعل آخر مضمر لما ذكرته من أنه لا يرى إعمال المشترك ، وأن الشهادتين متغايرتان ، وهو مذهب مرجوح . وقال الراغب : « إنما كرّر لا إله إلا هو لأنّ صفات التنزيه أشرف من صفات التمجيد ، لأنّ أكثرها مشارك في ألفاظها العبيد فيصحّ وصفهم بها ، ولذلك وردت ألفاظ التنزيه في حقّه أكثر وأبلغ » . قوله : الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه بدل من « هُوَ » . الثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر . الثالث : أنه نعت ل « هُوَ » ، وهذا إنّما يتمشّى على مذهب الكسائي ، فإنّه يرى وصف الضمير الغائب ، ويتقدّم نحو هذا في قوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ « 2 » . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 19 ] إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 19 )

--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، آية ( 56 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 163 ) .