أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

440

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

شهداء على أنفسكم فكونوا شهداء للّه ، هذا تقدير الكلام ، وحذف « كان » بعد « لَوْ » كثير ، تقول : ائتني بتمر ولو حشفا » أي : وإن كان التمر حشفا فأتني به » . انتهى . وهذا لا ضرورة تدعو إليه ، ومجيء « لَوْ » بمعنى « إن » شيء بعضهم على قلة فلا ينبغي أن يحمل القرآن عليه . وقال ابن عطية : « عَلى أَنْفُسِكُمْ » متعلّق ب « شُهَداءَ » . قال الشيخ « 1 » : « فإن عنى ب « شُهَداءَ » الملفوظ به فلا يصحّ ، وإن عنى به ما قدّرناه نحن فيصحّ » يعني تقديره « لَوْ » بمعنى « إن » وحذف « كان » واسمها وخبرها بعد « لو » ، وقد تقدّم أن ذلك قليل ، فلم يبق إلا أن ابن عطية يريد « شُهَداءَ » محذوفة كما قدّرته لك أولا نحو : « ولو كنتم شهداء » على أنفسكم لوجب عليكم أن تشهدوا . وقال الزمخشري : « ولو كانت الشهادة على أنفسكم » فجعل « كان » مقدرة ، وهي تحتمل في تقديره التمام والنقصان : فإن قدّرتها تامة كان قوله « عَلى أَنْفُسِكُمْ » متعلقا بنفس الشهادة ، ويكون المعنى : « ولو وجدت الشهادة على أنفسكم ، وإن قدّرتها ناقصة فيجوز أن يكون « عَلى أَنْفُسِكُمْ » متعلقا بمحذوف على أنه خبرها ، ويجوز أن يكون متعلقا بنفس الشهادة ، وحينئذ يكون الخبر مقدرا ، والمعنى : « ولو كانت الشهادة على أنفسكم موجودة ، إلا أنه يلزم من جعلنا « عَلى أَنْفُسِكُمْ » متعلقا بالشهادة حذف المصدر وإبقاء معموله وهو قليل أو ممتنع . وقال أيضا : « ويجوز أن يكون المعنى : « وإن كانت الشهادة وبالا على أنفسكم » . وردّ عليه الشيخ « 2 » هذين الوجهين فقال : « وتقديره : ولو كانت الشهادة على أنفسكم ليس بجيد ؛ لأن المحذوف إنما يكون من جنس الملفوظ به ليدلّ عليه ، فإذا قلت : « كن محسنا ولو لمن أساء إليك » فالتقدير : ولو كنت محسنا لمن أساء ، ولو قدّرته « ولو كان إحسانك » لم يكن جيدا لأنك تحذف ما لا دلالة عليه بلفظ مطابق » . وهذا الردّ ليس بشيء ، فإن الدلالة اللفظية موجودة لاشتراك المحذوف والملفوظ به في المادة ، ولا يضرّ اختلافهما في النوع . وقال في الوجه الثاني : « وهذا لا يجوز لأن ما تعلق به الظرف كون مقيد ، والكون المقيد لا يجوز حذفه بل المطلق ، لو قلت : كان زيد فيك » تعني : محبا فيك لم يجز » . وهذا الرد أيضا ليس بشيء لأنه قصد تفسير المعنى ، ومبادئ النحو لا تخفى على آحاد الطلبة فكيف بشيخ الصناعة ؟ . قوله : فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما إذا عطف ب « أو » كان الحكم في عود الضمير والإخبار وغيرهما لأحد الشيئين أو الأشياء ، ولا يجوز المطابقة تقول : « زيد وعمرو أكرمته » ولو قلت : أكرمتهما لم يجز ، وعلى هذا يقال : كيف ثنّى الضمير في الآية الكريمة والعطف ب أو ؟ لا جرم أن النحويين اختلفوا في الجواب عن ذلك على خمسة أوجه : أحدها : أنّ الضمير في « بِهِما » ليس عائدا على الغني والفقير المذكورين أولا ، بل على جنسي الغني والفقير المدلول عليهما بالمذكورين ، تقديره : وإن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا فليشهد عليه ، فاللّه أولى بجنسي الغني والفقير ، ويدلّ على هذا قراءة أبيّ : « فاللّه أولى بهم » أي بالأغنياء والفقراء مراعاة للجنس على ما قرّرته لك ، ويكون قوله : « فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما » ليس جوابا للشرط ، بل جوابه محذوف كما قد عرفته ، وهذا دالّ عليه . الثاني : أنّ « أو » بمعنى الواو ، ويعزى هذا للأخفش ، وكنت قدّمت أول البقرة أنه قول الكوفيين وأنه ضعيف . الثالث : أن « أو » للتفصيل أي : لتفصيل ما أبهم . وقد أوضح ذلك أبو البقاء فقال : « وذلك أنّ كلّ واحد من

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 169 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 370 ) .