أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
441
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
المشهود عليه والمشهود له قد يكون غنيا وقد يكون فقيرا ، وقد يكونان غنيين وقد يكونان فقيرين ، وقد يكون أحدهما غنيا والآخر فقيرا . فلما كانت الأقسام عند التفصيل على ذلك أتي ب « أو » لتدل على التفصيل ، فعلى هذا يكون الضمير في « بِهِما » عائدا على المشهود له والمشهود عليه على أيّ وصف كانا عليه » انتهى . إلّا أنّ قوله : « وقد يكون أحدهما غنيا والآخر فقيرا » مكرر لأنه يغني عنه قوله « وذلك أنّ كلّ واحد » إلى آخره . الرابع : أنّ الضمير يعود على الخصمين تقديره : إن يكن الخصمان غنيا أو فقيرا فاللّه أولى بذينك الخصمين . الخامس : أنّ الضمير يعود على الغنى والفقر المدلول عليهما بلفظ الغني والفقير ، والتقدير : فاللّه أولى بغنى الغني وفقر الفقير . وقد أساء ابن عصفور العبارة هنا بما يوقف عليه في كلامه . وعلى أربعة الأوجه الأخيرة يكون جواب الشرط ملفوظا به وهو قوله : « فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما » بخلاف الأول فإنه محذوف . وقرأ عبد اللّه : « إن يكن غني أو فقير » برفعهما ، والظاهر أنّ « كان » في قراءته تامة ، أي : وإن وجد غني أو فقير ، نحو : وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ « 1 » . قوله : أَنْ تَعْدِلُوا فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مفعول من أجله على حذف مضاف تقديره : فلا تتّبعوا الهوى محبة أن تعدلوا ، أو إرادة أن تعدلوا أي : تعدلوا عن الحق وتجوروا . وقال أبو البقاء في المضاف المحذوف : « تقديره : مخافة أن تعدلوا عن الحق » . وقال ابن عطية : « يحتمل أن يكون معناه : مخافة أن تعدلوا ، ويكون العدل هنا بمعنى العدول عن الحق ، ويحتمل أن يكون معناه : محبة أن تعدلوا ، ويكون العدل بمعنى القسط ، كأنه يقول : انتهوا خوف أن تجوروا ، أو محبة أن تقسطوا ، فإن جعلت العامل « تَتَّبِعُوا » فيحتمل أن يكون المعنى محبة أن تجورا » انتهى . فتحصّل لنا في العامل وجهان : الظاهر منهما : أنه نفس « تَتَّبِعُوا » . والثاني : أنه مضمر وهو فعل من معنى النهي كما قدّره ابن عطية ، كأنه يزعم أنّ الكلام قد تمّ عند قوله : « فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى » ثم أضمر عاملا ، وهذا ما لا حاجة إليه . الثاني : أنه على إسقاط حرف الجر وحذف « لا » النافية ، والأصل : فلا تتّبعوا الهوى في ألّا تعدلوا أي : في ترك العدل ، فحذف « لا » لدلالة المعنى عليها ، ولمّا حذف حرف الجر من « أن » جرى القولان الشهيران . الثالث : أنه على حذف لام العلة تقديره : فلا تتبعوا الهوى لأن تعدلوا . قال صاحب هذا القول : « والمعنى : لا تتبعوا الهوى لتكونوا في اتّباعكموه عدولا تنبيها على أن اتباع الهوى وتحرّي العدالة متنافيان لا يجتمعان ، وهو ضعيف في المعنى . قوله : وَإِنْ تَلْوُوا قرأ ابن عامر وحمزة : « تلوا » بلام مضمومة وواو ساكنة ، والباقون بلام ساكنة وواوين بعدها ، أولاهما مضمومة . فأمّا قراءة الواوين فظاهرة لأنه من لوى يلوي ، والمعنى : وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل ،
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 280 ) .