أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
439
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ويكون الآخرون من غير نوعهم ، كما روي أنه كان ملائكة في الأرض يعبدون اللّه . وقال الزمخشري : « أو خلقا آخرين غير الإنس » وكذلك قال غيرهما . وقد ردّ الشيخ « 1 » هذا الوجه بأنّ مدلول آخر وأخرى وتثنيتهما وجمعهما نحو مدلول « غير » إلا أنه خاصّ بجنس ما تقدّمه ، فإذا قلت : « اشتريت فرسا وآخر ، أو : ثوبا وآخر ، أو : جارية وأخرى ، أو : جاريتين وأخريين ، أو جواري وأخر » لم يكن ذلك كله إلا من جنس ما تقدم ، حتى لو عنيت « وحمارا آخر » في الأمثلة السابقة لم يجز ، وهذا بخلاف « غير » فإنّها تكون من جنس ما تقدّم ومن غيره ، تقول « اشتريت ثوبا وغيره » لو عنيت : « وفرسا غيره » جاز . قال : « وقلّ من يعرف هذا الفرق » . وهذا الفرق الذي ذكره وردّ به على هؤلاء الأكابر غير موافق عليه ، لم يستند فيه إلى نقل ، ولكن قد يردّ عليهم ذلك من طريق أخرى ، وهو أن « آخرين » صفة لموصوف محذوف ، والصفة لا تقوم مقام موصوفها إلا إذا كانت خاصة بالموصوف نحو : « مررت بكاتب » أو يدل عليه دليل ، وهنا ليست بخاصة ، فلا بد وأن تكون من جنس الأول لتحصل بذلك الدلالة على الموصوف المحذوف . قوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ : « مَنْ » يجوز فيها وجهان : أظهرهما : أنها شرطية ، وجوابها قوله : « فَعِنْدَ اللَّهِ » ، ولا بد من ضمير مقدر في هذا الجواب يعود على اسم الشرط لما تقرر قبل ذلك ، والتقدير : فعند اللّه ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده ، وهذا تقدير الزمخشري . قال : « حتى يتعلّق الجزاء بالشرط » . وجوّز الشيخ « 2 » - وجعله الظاهر - أنّ الجواب محذوف تقديره : من كان يريد ثواب الدنيا فلا يقتصر عليه ، وليطلب الثوابين ، فعند اللّه ثواب الدارين . والثاني : أنها موصولة ودخلت الفاء في الخبر تشبيها له باسم الشرط ، ويبعده مضيّ الفعل بعده والعائد محذوف كما تقرّر تمثيله . قوله تعالى : شُهَداءَ : فيه وجهان : أحدهما : أنه خبر ثان ل « كان » وهذا فيه خلاف قد مرّ ذكره . والثاني : أنه حال من الضمير المستكن في « قَوَّامِينَ » فالعامل فيها « قَوَّامِينَ » . وقد ردّ الشيخ « 1 » هذا الوجه بأنه يلزم منه تقييد كونهم قوامين بحال الشهادة ، وهم مأمورون بذلك مطلقا ، وهذا الردّ ليس بشيء ، فإن هذا المعنى نحا إليه ابن عباس قال - رضي اللّه عنه - : « كونوا قوّامين بالعدل في الشهادة على من كانت » ، وهذا هو معنى الوجه الصائر إلى جعل « شُهَداءَ » حالا . قوله : وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ « لَوْ » هذه تحتمل أن تكون على بابها من كونها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره وجوابها محذوف أي : ولو كنتم شهداء على أنفسكم لوجب عليكم أن تشهدوا عليها . وأجاز الشيخ « 2 » أن تكون بمعنى « إن » الشرطية ، ويتعلّق قوله « عَلى أَنْفُسِكُمْ » بمحذوف تقديره : وإن كنتم
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 367 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 368 ) .