أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
438
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 131 إلى 135 ] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً ( 131 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً ( 132 ) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً ( 133 ) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً ( 134 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 135 ) قوله تعالى : وَإِيَّاكُمْ : عطف على « الَّذِينَ أُوتُوا » وهو واجب الفصل هنا لتعذّر الاتصال . واستدلّ بعضهم على أنه إذا قدر على الضمير المتصل يجوز أن يعدل إلى المنفصل بهذه الآية ، لأنه كان يمكن أن يقال : « ولقد وصّيناكم والذين أوتوا » ، وكذلك استدلّ بقوله تعالى : يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ « 1 » ، إذ يمكن أن يقال : يخرجونكم والرسول . وهذا ليس يدلّ له ، أمّا الآية الأولى فلأنّ الكلام فيها جاء على الترتيب الوجودي ، فإنّ وصية من قبلنا قبل وصيتنا ، فلمّا قصد هذا المعنى استحال - والحالة هذه - أن يقدر عليه متصلا . وأما الآية الثانية فلأنه قصد فيها تقدّم ذكر الرسول تشريفا له وتشنيعا على من تجاسر على مثل ذلك الفعل الفظيع ، فاستحال - والحالة هذه - أن يجاء به متصلا . و « مِنْ قَبْلِكُمْ » يجوز أن يتعلق ب « أُوتُوا » ، ويجوز أن يتعلّق ب « وَصَّيْنَا » والأول أظهر . قوله : أَنِ اتَّقُوا يجوز في « أَنِ » وجهان : أحدهما : أن تكون مصدرية على حذف حرف الخفض تقديره : بأن اتّقوا ، فلما حذف الحرف جرى فيها الخلاف المشهور . والثاني : أن تكون المفسرة لأنها بعد ما هو بمعنى القول لا حروفه وهو الوصية . والظاهر أن قوله : « وَإِنْ » جملة مستأنفة للإخبار بهذه الحال ليست داخلة في معمول الوصية . وقال الزمخشري : « وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ » عطف على « اتَّقُوا » لأنّ المعنى : أمرناهم وأمرناكم بالتقوى ، وقلنا لهم ولكم إن تكفروا » وفي كلامه نظر ، لأنّ تقديره القول ينفي كون الجملة الشرطية مندرجة في حيّز الوصية بالنسبة إلى الصناعة النحوية ، وهو لم يقصد تفسير المعنى فقط ، بل قصده هو وتفسير الإعراب بدليل قوله : « عطف على « اتَّقُوا » ، و « اتَّقُوا » داخل في حيّز الوصية ، سواء أجعلت « أن » مصدرية أم مفسرة . قوله تعالى : بِآخَرِينَ : آخرين صفة لموصوف محذوف من جنس ما تقدّمه تقديره : بناس آخرين يعبدون اللّه ، ويجوز أن يكون المحذوف من غير جنس ما تقدّمه . قال ابن عطية : « يحتمل أن يكون وعيدا لجميع بني آدم ،
--> ( 1 ) سورة الممتحنة ، الآية ( 1 ) .