أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

411

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ولأن البدل لا يتأتّى لكونه ليس إياه ولا بعضه ولا مشتملا عليه » . انتهى . ويحتاج الجواب عنه إلى تأمّل ونظر . قوله حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ فيه سبعة أوجه : أحدها : أنه لا محلّ لهذه الجملة ، بل جيء بها للدعاء عليهم بضيق صدورهم عن القتال ، وهذا منقول عن المبرد ، إلّا أنّ الفارسيّ ردّ عليه بأنّا مأمورون بأن ندعو على الكفار بإلقاء العداوة بينهم فنقول : « اللهم أوقع العداوة بين الكفار » لكن يكون قوله : « أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ » نفي ما اقتضاه دعاء المسلمين عليهم . وقد أجاب عن هذا الردّ بعض الناس ، فقال ابن عطية : « يخرّج قول المبرد على أن الدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا المسلمين تعجيز لهم ، والدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا قومهم تحقير لهم أي : هم أقلّ وأحقر ومستغنى عنهم ، كما تقول إذا أردت هذا المعنى : « لا جعل اللّه فلانا عليّ ولا معي » بمعنى أستغني عنه وأستقلّ دونه » . وأجاب غيره بأنه يجوز أن يكون سؤالا لموتهم على أنّ قوله « قَوْمَهُمْ » قد يحتمل أن يعبّر به عمّن ليسوا منهم ، بل عن معاديهم » . الثاني : أنّ « حَصِرَتْ » حال من فاعل « جاؤُكُمْ » ، وإذا وقعت الحال فعلا ماضيا ففيها خلاف : هل يحتاج إلى اقترانه ب « قد » أم لا ؟ والراجح عدم الاحتياج لكثرة ما جاء منه ، فعلى هذا لا تضمر « قد » قبل « حَصِرَتْ » ، ومن اشترط ذلك قدّرها هنا . والثالث : أنّ « حَصِرَتْ » صفة لحال محذوفة تقديره : أو جاؤوكم قوما حصرت صدورهم . وسمّاها أبو البقاء حالا موطّئة ، وهذا الوجه يعزى للمبرد أيضا . الرابع : أن يكون في محل جرّ صفة لقوم بعد صفة ، و « أَوْ جاؤُكُمْ » معترض . قال أبو البقاء : « يدلّ عليه قراءة من أسقط « أو » وهو أبيّ ، كذا نقله عنه الشيخ ، والذي رأيته في إعرابه إسقاط « أَوْ جاؤُكُمْ » جميعه وهذا نصّه قال : « أحدهما : هو جرّ صفة لقوم وما بينهما صفة أيضا ، و « جاؤُكُمْ » معترض ، وقد قرأ بعض الصحابة بينكم وبينهم ميثاق حصرت صدورهم ، بحذف « أَوْ جاؤُكُمْ » هذا نصّه ، وهو أوفق لهذا الوجه . الخامس : أن يكون بدلا من « جاؤُكُمْ » بدل اشتمال لأن المجيء مشتمل على الحصر وغيره ، نقله الشيخ « 1 » عن أبي البقاء أيضا . السادس : أنه خبر بعد خبر ، وهذه عبارة الزجاج ، يعني أنها جملة مستأنفة ، أخبر بها عن ضيق صدور هؤلاء عن القتال بعد الإخبار عنهم بما تقدّم . قال ابن عطية بعد حكاية قول الزجاج : « يفرّق بين الحال وبين خبر مستأنف في قولك : « جاء زيد ركب الفرس » أنك إذا أردت الحال بقولك « ركب الفرس » قدّرت « قد » ، وإن أردت خبرا بعد خبر لم تحتج إلى تقديرها » . السابع : أنه جواب شرط مقدر تقديره : إن جاؤوكم حصرت ، وهو رأي الجرجاني ، وفيه ضعف لعدم الدلالة على ذلك . وقرأ الجمهور : « حَصِرَتْ » فعلا ماضيا ، والحسن وقتادة ويعقوب : « حصرة » نصبا على الحال بوزن « نبقة » وهي تؤيد كون « حَصِرَتْ » حالا ، ونقلها المهدوي عن عاصم في رواية حفص ، وروي عن الحسن أيضا :

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 317 ) .