أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
410
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : أَوْ جاؤُكُمْ فيه وجهان : أظهرهما : أنه عطف على الصلة ، كأنه قيل : أو إلا الذين جاؤوكم حصرت صدورهم ، فيكون المستثنى صنفين من الناس ، أحدهما واصل إلى قوم معاهدين ، والآخر من جاء غير مقاتل للمسلمين ولا لقومه . والثاني : أنه عطف على صفة « قَوْمٍ » وهي قوله « بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ » ، فيكون المستثنى صنفا واحدا يختلف باختلاف من يصل إليه من معاهد وكافر . واختار الأول الزمخشري وابن عطية قال الزمخشري : « الوجه العطف على الصلة لقوله : « فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ » بعد قوله : « فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ » فقرّر أنّ كفّهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي التعرّض لهم ، وترك الإيقاع بهم ، فإن قلت : كلّ واحد من الاتصالين له تأثير في صحة الاستثناء واستحقاق ترك التعرض للاتصال بالمعاهدين والاتصال بالكافّين ، فهلا جوّزت أن يكون العطف على صفة « قوم » ، ويكون قوله : « فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ » تقريرا لحكم اتّصالهم بالكافّين واختلاطهم بهم وجريهم على سننهم ؟ قلت : هو جائز ، ولكنّ الأول أظهر وأجرى على أسلوب الكلام » . انتهى . وإنما كان أظهر لوجهين : أحدهما من جهة الصناعة . والثاني من جهة المعنى : أمّا الأول فلأنّ عطفه على الصلة لكون النسبة فيه إسنادية ، وذلك أن المستثنى محدّث عنه محكوم له بخلاف حكم المستثنى منه ، فإذا قدّرت العطف على الصلة كان محدّثا عنه بما عطفته بخلاف ما إذا عطفته على الصفة ، فإنه يكون تقييدا في « قَوْمٍ » الذين هم قيد في الصلة المحدّث عن صاحبها ، ومتى دار الأمر بين أن تكون النسبة إسنادية وبين أن تكون تقييدية كان جعلها إسنادية أولى لاستقلالها . والثاني من جهة المعنى : وذلك أنّ العطف على الصلة يؤدي إلى أنّ سبب ترك التعرّض لهم تركهم القتال وكفّهم عنه ، وهذا سبب قريب ، والعطف على الصفة يؤدي إلى أنّ سبب ترك التعرض لهم وصولهم إلى قوم كافّين عن القتال وهذا سبب بعيد ، وإذا دار الأمر بين سبب قريب وآخر بعيد فاعتبار القريب أولى . والجمهور على إثبات « أَوْ » ، وفي مصحف أبي : « جاؤُكُمْ » من غير « أَوْ » ، وخرّجها الزمخشري على أحد أربعة أوجه : إمّا البيان ل « يَصِلُونَ » . أو البدل منه . أو الصفة لقدم بعد صفة . أو الاستئناف . قال الشيخ « 1 » : « وهي وجوه محتملة وفي بعضها ضعف وهو البيان والبدل ، لأنّ البيان لا يكون في الأفعال ،
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 317 ) .