أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

383

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدهما : أنها في محل نصب وهو قول الزجاج قال : تقديره : فكيف تراهم . والثاني : أنها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي : فكيف صنيعهم في وقت إصابة المصيبة إياهم ؟ و « إذا معموله لذلك المقدر بعد كيف » والباء في « بِما » لسببية و « ما » يجوز أن تكون مصدرية أو اسمية فالعائد محذوف قوله : « يَحْلِفُونَ » حال من فاعل « جاؤُكَ » و « ان » نافية أي : ما أردنا و « إِحْساناً » مفعول به أو استثناء على حسب القولين في المسألة . قوله تعالى : فِي أَنْفُسِهِمْ : فيه أوجه : أوجهها : أن يتعلق ب « قل » وفيه معنيان الأول : قل لهم خاليا لا يكون معهم أحدا لأن ذلك أدعى إلى قبول النصيحة . الثاني : قل لهم في معنى أنفسهم المنطوية على النفاق قولا يبلغ بهم ما يزجرهم عن العود إلى النفاق . الثالث : من الأوجه أن يتعلق ب بليغا أي : قولا مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما ويستشعرون به استشعارا قال معناه الزمخشري . ورد عليه الشيخ « 1 » بأن هذا مذهب الكوفيين إذ فيه تقديم معمول الصفة على الموصوف لو قلت : « جاء زيد رجل يضرب » لم يجز عند البصريين لأنه لا يتقدم المعمول إلا حيث يجوز تقديم العامل والعامل هنا لا يجوز تقديمه لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف والكوفيون يجيزون تقديم معمول الصفة على الموصوف وأما قول البصريين : أنه لا يتقدم المعمول إلا حيث يتقدم العامل ففيه بحث وذلك أنا وجدنا هذه القاعدة منخرمة في قول : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ « 2 » ف « اليتيم » معمول « لتقهر » و « السائل » معمول ل « تنهر » وقد تقدما على « لا » الناهية والعامل فيهما لا يجوز تقديمه عليها إذ المجزوم لا يتقدم على جازمه فقد تقدم المعمول حيث لا يتقدم العامل وكذلك قالوا في قوله : 1608 - قنافذ هداجون حول بيوتهم * بما كان إياهم عطية عودا « 3 » خرجوا هذا البيت على أن في « كان » ضمير الشأن و « عطية » مبتدأ و « عود » خبره حتى لا يلي « كان » معمول خبرها وهو غير ظرف ولا شبهه فلزمهم من ذلك تقديم المعمول وهو « إياهم » حيث لا يتقدم العامل لأن الخبر متى كان فعلا رافعا لضمير مستتر امتنع تقديمه على المبتدأ لئلا يلتبس بالفاعل نحو : « زيد ضرب عمرا » وأصل منشأ هذا البحث تقديم خبر ليس عليها أجازه الجمهور لقوله تعالى : « ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم » ووجه الدليل أن « يوم » معمول ل « مصروفا » وقد تقدم على ليس وتقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل فعورضوا بما فكرت لك وللنظر في هذا البحث مجال ليس هذا محله وقد أتقنت ذلك في كتابي « الشرح الكبير » : شرح تسهيل الفوائد فعليك به . الرابع : ونقل عن مجاهد ولا أظنه يصح عنه أنه متعلق ب « مصيبة » فهو على التقديم والتأخير والقرآن ينزه عن

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 281 ) . ( 2 ) سورة الضحى ، الآيتان ( 8 - 9 ) . ( 3 ) البيت للفرزدق انظر ديوانه ( 162 ) ، الخزانة ( 4 / 57 ) ، - - الهمع ( 1 / 118 ) ، الأشموني ( 1 / 237 ) ، الدرر ( 1 / 87 ) .