أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
349
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الوجه الثاني من نصب « طَوْلًا » أن يكون مفعولا له على حذف مضاف أي : ومن لم يستطع منكم لعدم طول نكاح المحصنات ، وعلى هذا ف « أَنْ يَنْكِحَ » مفعول « يَسْتَطِعْ » أي : ومن لم يستطع نكاح المحصنات لعدم الطّول . الوجه الثالث : أن يكون منصوبا على المصدر ، قال ابن عطية : « ويصحّ أن يكون « طَوْلًا » نصبا على المصدر ، والعامل فيه الاستطاعة لأنهما بمعنى ، و « أَنْ يَنْكِحَ » على هذا مفعول بالاستطاعة أو بالمصدر » يعني أن الطّول هو استطاعة في المعنى فكأنه قيل : ومن لم يستطع منكم استطاعة . قوله : فَمِنْ ما الفاء قد تقدم أنها : إمّا جواب الشرط ، وإما زائدة في الخبر على حسب القولين في « من » . وفي هذه الآية سبعة أوجه : أحدها : أنها متعلقة بفعل مقدر بعد الفاء تقديره : فلينكح ممّا ملكته أيمانكم ، و « ما » على هذا موصولة بمعنى الذي ، أي : النوع الذي ملكته ، ومفعول ذلك الفعل المقدر محذوف تقديره : فلينكح امرأة أو أمة ممّا ملكته أيمانكم ، ف « مما » في الحقيقة متعلق بمحذوف ؛ لأنه صفة لذلك المفعول المحذوف ، و « من » للتبعيض نحو : أكلت من الرغيف ، و « مِنْ فَتَياتِكُمُ » في محل نصب على الحال من الضمير المقدر في « مَلَكَتْ » العائد على « ما » الموصولة ، و « الْمُؤْمِناتِ » صفة ل « فَتَياتِكُمُ » . الثاني : أن تكون « من » زائدة و « ما » هي المفعولة بذلك الفعل المقدر أي : فلينكح ما ملكته أيمانكم . الثالث : أن « من » في « مِنْ فَتَياتِكُمُ » زائدة ، و « فَتَياتِكُمُ » هو مفعول ذلك الفعل المقدر أي : فلينكح فتياتكم ، و « ممّا ملكت » متعلق بنفس الفعل ، و « من » لابتداء الغاية ، أو بمحذوف على أنه حال من « فَتَياتِكُمُ » قدّم عليها ، و « من » للتبعيض . الرابع : أن مفعول « فلينكح » هو المؤمنات أي : فلينكح الفتيات المؤمنات ، و « ممّا ملكت » على ما تقدم في الوجه قبله ، و « مِنْ فَتَياتِكُمُ » حال من ذلك العائد المحذوف . الخامس : أنّ « مما » في محل رفع خبرا لمبتدأ محذوف تقديره : فالمنكوحة مما ملكت . السادس : أن « ما » في « ممّا » مصدرية أي : فلينكح من ملك أيمانكم ، ولا بد أن يكون هذا المصدر واقعا موقع المفعول نحو : « هذا خَلْقُ اللَّهِ » « 1 » ليصحّ وقوع النكاح عليه . السابع - وهو أغربها ونقل عن جماعة منهم ابن جرير - : أن في الآية تقديما وتأخيرا وأن التقدير : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضكم من بعض الفتيات ، ف « بَعْضُكُمْ » فاعل ذلك الفعل المقدر ، فعلى هذا يكون قوله : « وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ » معترضا بين ذلك الفعل المقدر وفاعله . ومثل هذا لا ينبغي أن يقال . قوله : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ جملة من مبتدإ وخبر ، وجيء بها بعد قوله « مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ » ليفيد أنّ الإيمان الظاهر كاف في نكاح الأمة المؤمنة ظاهرا ، ولا يشترط في ذلك . أن يعلم إيمانها علما يقينا ، فإنّ ذلك لا يطّلع عليه إلا اللّه تعالى ، وفي تأنيس أيضا بنكاح الإماء فإنهم كانوا ينفرون من ذلك .
--> ( 1 ) سورة لقمان آية ( 11 ) .