أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
350
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ مبتدأ وخبر أيضا ، جيء بهذه الجملة أيضا تأنيسا بنكاح الإماء كما تقدم ، والمعنى : أن بعضكم من جنس بعض في النسب والدين ، فلا يترفّع الحرّ عن نكاح الأمة عند الحاجة إليه ، وما أحسن قول أمير المؤمنين علي : « الناس من جهة التمثيل أكفاء ، أبوهم آدم والأم حواء » . قوله : بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ متعلق ب « انكحوهن » ، وقدّر بعضهم مضافا محذوفا أي بإذن أهل ولايتهن ، وأهل ولاية نكاحهنّ هم الملّاك . و « بِالْمَعْرُوفِ » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه متعلق ب « آتُوهُنَّ » أي : آتوهن مهورهنّ بالمعروف . الثاني : أنه حال من « أُجُورَهُنَّ » أي : ملتبسات بالمعروف يعني غير ممطولة . والثالث : أنه متعلق بقوله : « فَانْكِحُوهُنَّ » أي : فانكحوهن بالمعروف بإذن أهلهن ومهر مثلهن والإشهاد عليه ، وهذا هو المعروف . وقيل : في الكلام حذف تقديره : وآتوهنّ أجورهن بإذن أهلهن ، فحذف من الثاني لدلالة الأول عليه نحو : وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ « 1 » أي : الذاكرت اللّه . وقيل : ثمّ مضاف مقدر أي : وآتوا مواليهن أجورهنّ ، لأنّ الأمة لا يسلّم لها شيء من المهر . قوله : مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ حالان من مفعول « فَآتُوهُنَّ » ومحصنات على هذا بمعنى مزوّجات . وقيل : محصنات حال من مفعول « فَانْكِحُوهُنَّ » ، ومحصنات على هذا بمعنى عفائف أو مسلمات ، والمعنى : فانكحوهن حال كونهن محصنات لا حال سفاحهن واتخاذهنّ للأخدان . وقد تقدّم أن « مُحْصَناتٍ » بكسر الصاد وفتحها ، وما معناها ، وأنّ « غير مسافحين » حال مؤكدة . وَلا مُتَّخِذاتِ عطف على الحال قبله . والأخدان مفعول ب « مُتَّخِذاتِ » لأنه اسم فاعل ، وأخدان جمع « خدن » ، ك : عدل وأعدال ، والخدن : الصاحب ، وقد تقدّم أن المسافح هو المجاهر بالزنى ، ومتخذ الأخدان هو المستتر به ، وكذلك هو في النساء ، وكان الزنى في الجاهلية منقسما إلى هذين القسمين . قوله : فَإِذا أُحْصِنَّ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم : « أُحْصِنَّ » بضم الهمزة وكسر الصاد على البناء للمفعول ، والباقون بفتحهما على البناء للفاعل ، فمعنى الأولى : « فإذا أحصنّ بالتزوج » فالمحصن لهنّ هو الزوج ، ومعنى الثانية : « فإذا أحصنّ فروجهن » وهو واضح مما تقدم . والفاء في « فإن » جواب « إذا » وفي « فَعَلَيْهِنَّ » جواب « إن » ، فالشرط الثاني وجوابه مترتّب على وجود الأول ، ونظيره : « إن أكلت فإن ضربت عمرا فأنت حر » لا يعتق حتى يأكل أولا ثم يضرب عمرا ثانيا ، ولو أسقطت الفاء الداخلة على « إن » في مثل هذا التركيب انعكس الحكم ، ولزم أن يضرب أولا ثم يأكل ثانيا . وهذا يعرف من قواعد النحو ، وهو أن الشرط الثاني يجعل حالا فيجب التلبّس به أولا . قوله : مِنَ الْعَذابِ متعلق بمحذوف ؛ لأنه حال من الضمير المستكنّ في صلة « ما » وهو « على » ، فالعامل فيها معنوي ، وهو في الحقيقة ما تعلّق به هذا الجار ، ولا يجوز أن يكون حالا من « ما » المجرورة بإضافة « نِصْفُ » إليها ؛ لأنّ
--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، آية ( 35 ) .