أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

347

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وأجاز أبو البقاء فيه النصب على حذف حرف الجر ، قال أبو البقاء : « وفي « ما » - يعني من قوله « وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ » - وجهان : أحدهما : هي بمعنى « من » ، فعلى هذا يكون قوله « أَنْ تَبْتَغُوا » في موضع جر أو نصب على تقدير : بأن تبتغوا ، أي : أبيح لكم غير من ذكرنا من النساء بالمهور . والثاني : أن « ما » بمعنى الذي ، والذي كناية عن الفعل أي : وأحلّ لكم تحصيل ما وراء ذلك الفعل المحرّم ، و « أَنْ تَبْتَغُوا » بدل منه ، ويجوز أن يكون أصله بأن تبتغوا ، أو لأن تبتغوا . وفي ما قاله نظر لا يخفى . وأمّا الجرّ فعلى ما ذكره أبو البقاء . وقد تقدّم ما فيه . و « مُحْصِنِينَ » حال من فاعل « تَبْتَغُوا » ، و « غَيْرَ مُسافِحِينَ » حال ثانية ، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في « مُحْصِنِينَ » ، ومفعول محصنين ومسافحين محذوف أي : محصنين فروجكم غير مسافحين الزواني ، وكأنها في الحقيقة حال مؤكدة لأن المحصن غير مسافح . ولم يقرأ أحد بفتح الصاد من « مُحْصِنِينَ » فيما علمت . قوله : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ يجوز في « ما » وجهان ، أحدهما : أن تكون شرطية . والثاني : أن تكون موصولة . وعلى كلا التقديرين فيجوز أن يكون المراد بها النساء المستمتع بهن أي : النوع المستمتع به ، وأن يراد بها الاستمتاع الذي هو الحدث . وعلى جميع الأوجه المتقدمة فهي في محل رفع بالابتداء ، فإن كانت شرطية ففي خبرها الخلاف المشهور : هل هو فعل الشرط أو جوابه أو كلاهما ؟ وقد تقدّم تحقيقه في البقرة « 1 » . وإن كانت موصولة فالخبر قوله : « فَآتُوهُنَّ » ، ودخلت الفاء لشبه الموصول باسم الشرط ، وقد تقدّم أيضا تحقيقه . ثم إن أريد بها النوع المستمتع به فالعائد على المبتدأ - سواء كانت « ما » شرطا أو موصولة - الضمير المنصوب في « فَآتُوهُنَّ » ، ويكون قد راعى لفظ « ما » تارة فأفرد في قوله « به » ومعناها أخرى ، فجمع في قوله « مِنْهُنَّ » و « فَآتُوهُنَّ » ، فيصير المعنى : أيّ نوع من النساء استمتعتم به فآتوهنّ ، أو النوع الذي استمتعتم به من النساء فآتوهن ، وإن أريد بها الاستمتاع فالعائد حينئذ محذوف تقديره : فأيّ نوع من الاستمتاع استمتعتم به من النساء فآتوهنّ أجورهن لأجله ، أو : أيّ نوع من الاستمتاع الذي استمتعتم به من النساء فآتوهن أجورهنّ لأجله . و « من » في « منهن » تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون للبيان . والثاني : أن تكون للتبعيض ، ومحلّها النصب على الحال من الهاء في « به » ولا يجوز في « ما » أن تكون مصدرية لفساد المعنى ، ولعود الضمير في « به » عليها . والسّفاح : الزنا ، وأصله الصبّ ، لأن الزاني يصبّ فيه ، وكانوا يقولون : سافحيني وماذيني . والمسافح : من تظاهر بالزنا ، ومتخذ الأخذان من تستّر فاتخذ واحدة خفية . قوله : فَرِيضَةً حال من « أُجُورَهُنَّ » أو مصدر مؤكّد أي : فرض اللّه ذلك فريضة ، أو مصدر على غير الصدر ؛

--> ( 1 ) الآية رقم ( 38 ) .