أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

34

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

نعم ، وهو جمع لا واحد له من لفظه ، سمّيت بذلك لنعومة مشيها ولينها » ، وعلى الجملة فالاشتقاق في أسماء الأجناس قليل جدا . قوله : وَالْحَرْثِ قد تقدّم تفسيره ، وهو هنا مصدر واقع مواقع المفعول به ، فلذلك وحّد ولم يجمع كما جمعت أخواته . ويجوز إدغام الثاء في الذال « 1 » وإن كان بعض الناس ضعّفه بأنه يلزم الجمع بين ساكنين والأول ليس حرف لين ، قال : « بخلاف « يلهث ذلك » حيث أدغم الثاء في الذال لانتفاء التقاء الساكنين ، إذ الهاء قبل الثاء متحركة » . وقد تضمّنت هذه الآية الكريمة أنواعا من الفصاحة والبلاغة فمنها : الإتيان بها مجملة ، ومنها : جعله لها نفس الشهوات مبالغة في التنفير عنها ، ومنها : البداءة بالأهمّ فالأهمّ ، فقدّم أولا النساء لأنهن أكثر امتزاجا ومخالطة بالإنسان ، وهنّ حبائل الشيطان ، قال عليه السّلام : « ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء » « 2 » « ما رأيت من ناقصات عقل ودين أسلب للبّ الرجل منكنّ » « 3 » ويروى : « الحازم منكن » . وقيل : « فيهن فتنتان ، وفي البنين فتنة واحدة ؛ وذلك أنهنّ يقطعن الأرحام والصلات بين الأهل غالبا وهنّ سبب في جمع المال من حلال وحرام غالبا ، والأولاد يجمع لأجلهم المال ، فلذلك ثنّى بالبنين ، وفي الحديث : « الولد مبخلة مجبنة » « 4 » ولأنهم فروع منهن وثمرات نشأن عنهن ، وفي كلامهم : « المرء مفتون لولده » . وقدّمت على الأموال لأنها أحبّ إلى المرء من ماله ، وأمّا تقديم المال على الولد في بعض المواضع فإنما ذلك في سياق امتنان وإنعام أو نصرة ومعاونة وغلبة ، لأنّ الرجال تستمال بالأموال ، ثم أتى بذكر تمام اللذة وهو المركوب البهيّ من بين سائر الحيوانات ، ثم أتى بذكر ما يحصل به جمال حين تريحون وحين تسرحون ، كما تشهد به الآية الأخرى « 5 » ، ثم ذكر ما به قوامهم وحياة بنيهم وهو الزروع والثمار ، يشمل الفواكه أيضا ، ومنها : الإتيان بلفظ يشعر بشدة حب هذه الأشياء حيث قال : « زُيِّنَ » ، والزينة محبوبة في الطباع . ومنها : بناء الفعل للمفعول ؛ لأنّ الغرض الإعلام بحصول ذلك . ومنها : إضافة الحبّ للشهوات ، والشهوات هي الميل والنزوع إلى الشيء . ومنها التجنيس : « الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ » . ومنها : الجمع بين ما يشبه المطابقة في قوله : « الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ » لأنهما صارا متقابلين في غالب العرف . ومنها : وصف القناطير المقنطرة الدالة على تكثيرها مع كثرتها في ذاتها . ومنها : ذكر هذا الجنس بمادة الخيل لما في اللفظ من الدلالة على تحسينه ، ولم يقل : الأفراس ، وكذا قوله : « وَالْأَنْعامِ » ولم يقل الإبل والبقر والغنم ، ولأنه أخصر . قوله : ذلِكَ مَتاعُ الإشارة ب « ذلِكَ » للمذكور والمتقدّم ، فلذلك وحّد اسم الإشارة ، والمشار إليه متعدد كقوله تعالى : عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ « 6 » وقد تقدم شيئان . قوله : « الْمَآبِ » هو مفعل من : آب يؤوب أي رجع ، والأصل : مأوب فنقلت حركة الواو إلى الهمزة الساكنة قبلها ،

--> ( 1 ) انظر البحر 2 / 398 . ( 2 ) أخرجه البخاري 9 / 137 كتاب النكاح ( 5096 ) ، ومسلم 4 / 2097 ، كتاب الذكر ( 97 - 2740 ) . ( 3 ) أخرجه مسلم 1 / 86 كتاب الايمان ( 132 - 79 ) ، وابن ماجة ( 4003 ) وابن أبي عاصم 2 / 462 وابن عبيد اللّه في التمهيد 3 / 326 . ( 4 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 172 ، والبيهقي في السنن 10 / 202 ، والحاكم في المستدرك 3 / 164 ، وعبد الرزاق ( 20143 ) ، وذكره العجلوني في كشف الخفا 2 / 170 ، وعزاه لابن ماجة عن عبد اللّه بن سلام وقال وأخرجه أبو يعلى والبزار بمسند ضعيف عن أبي سعيد بلفظ « الولد ثمرة القلب » ، وإنه مبخلة مجبنة محزنة . ( 5 ) سورة النحل ، آية ( 6 ) . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 68 ) .