أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
35
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
فقلبت الواو ألفا ، وهو هنا اسم مصدر أي : حسن الرجوع ، وقد يقع اسم مكان أو زمان ، تقول : آب يؤوب أوبا وإيابا ومآبا ، فالأوب والإياب مصدران والمآب اسم لهما . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 15 ] قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 15 ) قوله تعالى : قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين بين ، على ما عرف من قواعدهم في أول البقرة ، والباقون بالتخفيف فيهما . ومدّ بين هاتين الهمزتين بلا خلاف قالون عن نافع ، وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر بخلاف عنهما ، والباقون بغير مد ، وهم على أصولهم من تحقيق وتسهيل ، وورش على أصله من نقل حركة الهمزة إلى لام « قُلْ » . واعلم أنه لا بدّ من ذكر اختلاف القراء في هذه اللفظة وشبهها وتحرير مذاهبهم فإنه موضع عسير الضبط فأقول بعون اللّه تعالى : الوارد من ذلك في القرآن الكريم ثلاثة مواضع : أعني همزتين أولاهما مفتوحة والثانية مضمومة من كلمة واحدة ، الأول هذا الموضع ، والثاني في ص : أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا « 1 » ، والثالث في القمر : أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ « 2 » والقرّاء فيها على خمس مراتب : إحداها مرتبة قالون ، وهي تسهيل الثانية بين بين ، وإدخال ألف بين الهمزتين بلا خلاف كذا رواه عن نافع . الثانية : مرتبة ورش وابن كثير ، وهي تسهيل الثانية أيضا بين بين من غير إدخال ألف بين الهمزتين بلا خلاف كذا روى ورش عن نافع . الثالثة : مرتبة الكوفيين وابن ذكوان عن ابن عامر وهي تحقيق الثانية من غير إدخال ألف بلا خلاف ، كذا روى ابن ذكوان عن ابن عامر . الرابعة : مرتبة هشام ، وهي أنه روي عنه ثلاثة أوجه : الأول : التحقيق وعدم إدخال ألف بين الهمزتين في الثلاث السور . الوجه الثاني : التحقيق وإدخال ألف بينهما في الثلاث السور . والوجه الثالث : التفرقة بين السور الثلاث ، وهو أنه يحقّق ويقصر في هذه السورة ، ويسهّل ويمدّ في السورتين الأخريين . الخامسة : مرتبة أبي عمرو وهي تسهيل الثانية مع إدخال الألف وعدمه . واجتزأت عن تعليل التخفيف والمد والقصر واعزا كلّ واحد منها إلى لغة من تكلم به بما قدمته في أول البقرة ، وللّه الحمد . ونقل أبو البقاء أنه قرىء : « أَ أُنَبِّئُكُمْ » التفات من الغيبة في قوله : « لِلنَّاسِ » إلى الخطاب تشريفا لهم .
--> ( 1 ) سورة ( ص ) ، آية ( 8 ) . ( 2 ) سورة القمر ، آية ( 25 ) .