أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
336
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم : « مُبَيِّنَةٍ » بفتح الياء اسم مفعول في جميع القرآن ، أي : بيّنها من يدّعيها وأوضحها . والباقون بكسرها اسم فاعل وفيه وجهان : أحدهما : أنه من « بيّن » المتعدي ، فعلى هذا يكون المفعول محذوفا تقديره مبيّنة حال مرتكبها . والثاني : أنه من بيّن اللازم ، فإنّ « بيّن » يكون متعديا ولازما يقال : بان الشيء وأبان واستبان وبيّن وتبيّن بمعنى واحد أي : ظهر . وقرأ بعضهم « 1 » . مبينة بكسر الباء وسكون الياء اسم فاعل من « أبان » ، وفيها الوجهان المتقدمان في المشددة المكسورة ، لأنّ « أبان » أيضا يكون متعديا ولازما ، وأمّا « مبيّنات » جمعا فقرأهن الأخوان وابن عامر وحفص عن عاصم بكسر الياء اسم فاعل ، والباقون بفتحها اسم مفعول ، وقد تقدّم وجه ذلك . قوله : بِالْمَعْرُوفِ في الباء وجهان : أظهرهما : أنها باء الحال : إمّا من الفاعل أي : مصاحبين لهنّ بالمعروف ، أو من المفعول أي : مصحوبات بالمعروف . والثاني : أنها باء التعدية . قال أبو البقاء : « بِالْمَعْرُوفِ » مفعول أو حال » . قوله : فَعَسى الفاء جواب الشرط ، وإنما اقترنت بها « عسى » لكونها جامدة . قال الزمخشري : « فإن قلت : من أيّ وجه صحّ أن يكون « فَعَسى » جزاء للشرط ؟ قلت : من حيث إنّ المعنى : فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة ، فلعل لكم فيما تكرهون خيرا كثيرا ليس فيما تحبونه » . وقرىء « 2 » « ويجعل » برفع اللام . قال الزمخشري : « على أنه حال » ، يعني ويكون خبرا لمبتدأ محذوف ؛ لئلا يلزم دخول الواو على مضارع مثبت . و « عسى » هنا تامة لأنها رفعت « أن » وما بعدها ، والتقدير : فقد قربت كراهتكم ، فاستغنت عن تقدير خبر ، والضمير في « فِيهِ » يعود على « شيء » أي : في ذلك الشيء المكروه . وقيل : يعود على الكره المدلول عليه بالفعل . وقيل : يعود على الصبر وإن لم يجر له ذكر . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 20 إلى 22 ] وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ( 20 ) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 21 ) وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً ( 22 ) قوله تعالى : مَكانَ زَوْجٍ : ظرف منصوب بالاستبدال ، والمراد بالزوج هنا الجمع أي : وإن أردتم استبدال أزواج مكان أزواج ، وجاز ذلك لدلالة جمع المستبدلين ، إذ لا يتوهّم اشتراك المخاطبين في زوج واحد مكان زوج واحد ، ولإرادة معنى الجمع عاد الضمير من قوله : « إِحْداهُنَّ » على « زَوْجٍ » جمعا . والتي نهى عن الأخذ منها هي
--> ( 1 ) انظر تفسير القرطبي 5 / 96 . ( 2 ) هي قراءة عيسى بن عمر انظر الشواذ 25 .