أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
337
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
المستبدل مكانها ، لأنها آخذة منه بدليل قوله : « وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض » وهذا إنما هو في القديمة لا المسحدثة . وقال : إِحْداهُنَّ ليدلّ على أن قوله : « وَآتَيْتُمْ » المراد منه : وآتى كلّ واحد منكم إحداهن ، أي : إحدى الأزواج ، ولم يقل : « آتيتموهن قنطارا » لئلا يتوهّم أن الجميع المخاطبين آتوا الأزواج قنطارا ، والمراد : أتى كلّ واحد زوجه قنطارا ، فدل لفظ « إِحْداهُنَّ » على أن الضمير في « آتَيْتُمْ » المراد منه كلّ واحد واحد ، كما دلّ لفظ « وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ » على أنّ المراد استبدال أزواج مكان أزواج ، فأريد بالمفرد هنا الجمع لدلالة « وَإِنْ أَرَدْتُمُ » . وأريد بقوله : « وَآتَيْتُمْ » كلّ واحد واحد ، لدلالة إحداهن » وهي مفردة على ذلك . ولا يدلّ على هذا المعنى البليغ بأوجز ولا أفصح من هذا التركيب . وتقدّم معنى القنطار واشتقاقه في آل عمران « 1 » . والضمير في « منه » عائد على « قِنْطاراً » . وقرأ ابن محيصن : « آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ » بوصل ألف « إحدى » كما قرىء : « إنها لإحدى الكبر » « 2 » حذف الهمزة تخفيفا كقوله : 1566 - إن لم أقاتل فالبسوني برقعا * . . . « 3 » وبهذا الذي ذكرته يتضح معنى الآية . وقد طوّل أبو البقاء فيها ولم يأت بطائل ، ولا بد من التعرّض لما قاله والتنبيه عليه . قال : « وفي قوله « وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً » إشكالان : أحدهما : أنه جمع الضمير والمتقدم زوجان . والثاني : أن التي يريد أن يستبدل بها هي التي تكون قد أعطاها مالا فينهاه عن أخذه ، فأما التي يريد أن يستحدثها فلم يكن أعطاها شيئا حتى ينهى عن أخذه ، ويتأيّد ذلك بقوله : « وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض » . والجواب عن الأول : أنّ المراد بالزوج الجمع ، لأنّ الخطاب لجماعة الرجال ، وكل منهم قد يريد الاستبدال ، ويجوز أن يكون جمع لأن التي يريد أن يستحدثها يفضي حالها إلى أن تكون زوجا ، وأن يريد أن يستبدل بها كما استبدل بالأولى فجمع على هذا المعنى . وأمّا الإشكال الثاني فعنه جوابان : أحدهما : أنه وضع الظاهر موضع الضمير ، والأصل : وآتيتموهن . والثاني : أنّ المستبدل بها مبهمة فقال « إِحْداهُنَّ » إذ لم تتعيّن حتى يرجع الضمير إليها ، وقد ذكرنا نحوا من هذا في قوله : « فتذكّر إحداهما الأخرى » « 4 » انتهى . وفي قوله : « وضع الظاهر موضع المضمر » نظر ، لأنّه لو كان الأصل كذلك لأوهم أنّ الجميع آتوا الأزواج قنطارا
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 75 ) . ( 2 ) سورة المدثر ، آية ( 35 ) . ( 3 ) انظر المحتسب ( 1 / 120 ) ، الخصائص ( 3 / 151 ) ، البحر ( 3 / 206 ) ، القرطبي ( 5 / 101 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 282 ) .