أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

335

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

لم يصحّ إلا أن تجعل « لا » زائدة لا نافية ، وهو خلاف الظاهر ، وأما أن تقدّر « أن » بعد « لا » النافية فلا يصحّ ، وإذا قدّرت « أن » بعد « لا » كان من عطف المصدر المقدر على المصدر المقدر ، لا من عطف الفعل على الفعل ، فالتبس على ابن عطية العطفان ، فظنّ أنه بصلاحية تقدير « أن » بعد « لا » يكون في عطف الفعل على الفعل ، وفرق بين قولك : « لا أريد أن تقوم وأن لا تخرج » وقولك : « لا أريد أن تقوم ولا أن تخرج » ففي الأول نفى إرادة وجود قيامه ، وأراد انتفاء خروجه فقد أراد خروجه ، وفي الثانية نفى إرادة وجود قيامه ووجود خروجه ، فلا يريد لا القيام ولا الخروج . وهذا في فهمه بعض غموض على من لم يتمرّن في علم العربية » انتهى ما ردّ به . وفيه نظر : من حيث إنّ المثال الذي ذكره في قوله : « أريد أن أتوب ولا أدخل النار » فإنّ تقدير الناصب فيه قبل « لا » واجب من حيث إنه لو قدّر بعدها لفسد التركيب ، وأمّا في الآية فتقدير « أن » بعد « لا » صحيح ، فإنّ التقدير يصير : لا يحلّ لكم إرث النساء كرها ولا عضلهن . ويؤيد ما قلته وما ذهب إليه ابن عطية قول الزمخشري فإنه قال : فإن قلت : تعضلوهن ما وجه إعرابه ؟ قلت : النصب عطفا على أَنْ تَرِثُوا » و « لا » لتأكيد النفي أي : لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن » ، فقد صرّح الزمخشري بهذا المعنى وصرّح بزيادة « لا » التي جعلها الشيخ خلاف الظاهر . وفي الكلام حذف تقديره : « ولا تعضلوهن من النكاح » إن كان الخطاب للأولياء ، أو : « ولا تعضلوهن من الطلاق » إن كان الخطاب للأزواج . وتقدّم معنى العضل في البقرة « 1 » . قوله : لِتَذْهَبُوا اللام متعلقة ب « تَعْضُلُوهُنَّ » ، والباء في « بِبَعْضِ » فيها وجهان : أحدهما : أنها باء التعدية المرادفة لهمزتها أي : لتذهبوا بعض ما آتيتموهن . والثاني : أنها للمصاحبة ، فيكون الجارّ في محلّ نصب على الحال ، ويتعلّق بمحذوف أي : لتذهبوا مصحوبين ببعض ، و « ما » موصولة بمعنى الذي أو نكرة موصوفة ، وعلى التقديرين فالعائد محذوف ، وفي تقديره إشكال تقدّم الكلام عليه في البقرة عند قوله : « وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ » « 2 » فليلتفت إليه . قوله : إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ في هذا الاستثناء قولان : أحدهما : أنه منقطع ، فيكون « أَنْ يَأْتِينَ » في محلّ نصب . والثاني : أنه متصل ، وفيه حينئذ ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مستثنى من ظرف زمان عام تقديره : « ولا تعضلوهنّ في وقت من الأوقات إلا وقت إتيانهنّ بفاحشة . الثاني : أنه مستثنى من الأحوال العامة تقديره : لا تعضلوهن في حال من الأحوال إلا في حال إتيانهن بفاحشة . الثالث : أنه مستثنى من العلة العامة تقديره : لا تعضلوهن لعلة من العلل إلا لإتيانهن بفاحشة . وقال أبو البقاء بعد أن حكى فيه وجه الانقطاع : « والثاني : هو في موضع الحال تقديره : إلّا في حال إتيانهنّ بفاحشة ، وقيل : هو استثناء متصل ، تقديره : ولا تعضلوهن في حال إلا في حال إتيان الفاحشة » انتهى . وهذان الوجهان هما في الحقيقة وجه واحد ، لأنّ القائل بكونه منصوبا على الحال لا بدّ أن يقدّر شيئا عاما يجعل هذه الحال مستثناة منه .

--> ( 1 ) آية رقم ( 232 ) . ( 2 ) آية رقم ( 3 ) .