أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

334

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

و النِّساءَ مفعول به : إمّا على حذف مضاف أي : أن ترثوا أموال النساء إن كان الخطاب للأزواج ؛ لأنه روي أن الرجل منهم إذا لم يكن له غرض في المرأة أمسكها حتى تموت فيرثها ، أو تفتدي منه بمالها إن لم تمت . وإما من غير حذف ، على معنى أن يكنّ بمعنى الشيء الموروث إن كان الخطاب للأولياء أو لأقرباء الميت ، فقد نقل أنه إذا مات أحدهم وترك امرأة وابنا من غيرها كان أحقّ بها من نفسها . وقيل : كان الوليّ إن سبق وألقى عليها ثوبه كان أحق بها ، وإن سبقت إلى أهلها كانت أحقّ بنفسها ، فنهوا أن يجعلوهنّ كالأشياء المواريث ، وعلى ما ذكرت فلا يحتاج إلى حذف أحد المفعولين : إمّا الأول أو الثاني على جعل « أَنْ تَرِثُوا » متعديا لاثنين كما فعل أبو البقاء قال : « والنساء » فيه وجهان : أحدهما : هنّ المفعول الأول ، والنساء على هذا هن الموروثات ، وكانت الجاهلية ترث نساء آبائهم ويقولون : نحن أحقّ بنكاحهنّ . والثاني : أنه المفعول الثاني والتقدير : أن ترثوا من النساء المال » انتهى . قوله : « هنّ المفعول الأول » يعني والثاني محذوف تقديره : أن ترثوا من آبائكم النساء . و كَرْهاً مصدر في موضع نصب على الحال من النساء أي : أن ترثوهن كارهات أو مكروهات . وقرأ الأخوان « كَرْهاً » هنا وفي براءة « 1 » والأحقاف « 2 » بضم الكاف ، وافقهما النسائي وابن عامر من رواية ابن ذكوان عنه على ما في الأحقاف ، والباقون بالفتح . وقد تقدّم الكلام في الكره والكره . هل هما بمعنى واحد أم لا ؟ في البقرة « 3 » فأغنى عن إعادته . ولا مفهوم لقوله « كَرْهاً » يعني فيجوز أن يرثوهن إذ لم يكرهن ذلك لخروجه مخرج الغالب . قوله : وَلا تَعْضُلُوهُنَّ فيه وجهان : أظهرهما : أنه مجزوم ب « لا » الناهية ، عطف جملة نهي على جملة خبرية ، فإن لم تشترط المناسبة بين الجمل - كما هو مذهب سيبويه - فواضح ، وإن اشترطنا ذلك - كما هو رأي بعضهم - فلأنّ الجملة قبلها في معنى النهي ، إذ التقدير : لا ترثوا النساء كرها فإنه غير حلال لكم . وجعله أبو البقاء على هذا الوجه مستأنفا ، يعني أنه ليس بمعطوف على الفعل قبله . والثاني : - أجازه ابن عطية وأبو البقاء - أن يكون منصوبا عطفا على الفعل قبله . قال ابن عطية : « ويحتمل أن يكون « تَعْضُلُوهُنَّ » نصبا عطفا على « تَرِثُوا » ، فتكون الواو مشرّكة عاطفة فعلا على فعل » . وقرأ ابن مسعود : « ولا أن تعضلوهن » فهذه القراءة تقوّي احتمال النصب وأنّ العضل ممّا لا يحلّ بالنص . وردّ الشيخ « 4 » هذا الوجه بأنك إذا عطفت فعلا منفيا ب « لا » على مثبت وكانا منصوبين فإنّ الناصب لا يقدّر إلا بعد حرف العطف لا بعد « لا » ، فإذا قلت : أريد أن أتوب ولا أدخل النار » فإنّ التقدير : أريد أن أتوب وأن لا أدخل النار ، لأنّ الفعل يطلب الأول على سبيل الثبوت والثاني على سبيل النفي ، فالمعنى : أريد التوبة وانتفاء دخولي النار ، فلو كان الفعل المتسلط على المتعاطفين منفيا فكذلك ، ولو قدّرت هذا التقدير في الآية لم يصحّ لو قلت : « لا يحلّ أن لا تعضلوهنّ »

--> ( 1 ) آية رقم ( 53 ) . ( 2 ) آية رقم ( 15 ) . ( 3 ) آية رقم ( 216 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 204 ) .